حافظ عبية يلتقي مع كتيبة بيت فجار

فوق صرح النصب التذكاري!

حافظ عبية يلتقي مع كتيبة بيت فجار

بقلم: عيسى قراقع-عضو المجلس التشريعي رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين السابق

بتاريخ 31-12-2018 في أجواء الاحتفال بأعياد الميلاد المجيدة ورأس السنة الجديدة توفي الأسير المحرر ابن قرية بيت فجار قضاء بيت لحم الحاج احمد محمود ثوابتة (ابو محمد بلو)، والذي قضى في سجون الاحتلال الاسرائيلي 17 عاماً وأُبعد الى خارج الوطن، وعاد بعد توقيع اتفاقيات اوسلو.

بتاريخ 2-1-2019، توفي الأسير المحرر الكاتب حافظ عبية (ابو حنان) ابن قرية ياسوف قضاء سلفيت والذي امضى 18 عاماً في سجون الاحتلال الاسرائيلي وافرج عنه في صفقة تبادل الاسرى عام 1985.

لقد جمعت بين الأسيرين المرحومين حياة السجن الطويلة، وبعد الافراج عنهما اخذا يبحثان عن بعضهما البعض ليلتقيا أخيراً فوق جدارية النصب التذكاري الذي شيده حافظ عبية وزميله الاسير المحرر محمد البيروتي، وهو عنوان الكتاب التوثيقي الهام المكون من جزأين، وفيه جولة طويلة ومرهقة في الركض وراء الذكرى وتفقد آثار الأسرى الاوائل الذين طواهم الموت او النسيان.

حافظ عبية يعود الى سجني بئر السبع وعسقلان، أصدقاؤه كانوا هنا، وهناك كبر الحلم واقلع بهم الى ارض معلقة فوق الغيوم، وهناك سقط الشهداء خلف الابواب المغلقة، وهناك استنفر الجوع عضلاته في مواجهة السجان وسياسة القمع والاذلال، وهناك كان النشيد الاول للحرية، اسماء وجوهها لا زالت على الحديد والجدران، اسماء بعثرها الموت، لم يتركوا وصايا، اجسادهم ارتفعت الى متاهات الروح وظل المكان هو المكان.

يصل حافظ عبية (أبو حنان) الى قرية بيت فجار، القرية التلحمية الجبلية، ينبش ذاكرته، يبحث عن زملائه الاسرى ابناء كتيبة بيت فجار، أين هم؟ كانوا هنا، اخذ يفتح كل الابواب، يتفقد كل الابراش، ينادي عليهم واحداً واحداً، هل لازالوا نائمين داخل احلامهم؟ كل حجر في بيت فجار صار طريقاً وبيتاً ومغارة، حجارة حمراء، معاول، نساء لوحتهن الشمس، كلما حفرت في صخورها تجد نبعاً او قبراً او دماً، في بيت فجار آثار اقدام تبحث عن الريح، بيت فجار تدلك على نفسها دون دليل، للصخور في بيت فجار حوافر وأحصنة وعضلات وشظايا نارية.

حافظ عبية في بيت فجار رأى الناس يعملون في قطع الحجارة في مناشير الحجر، الشبان يعملون في النهار في دق الحجر، وفي الليل يصيرون فدائيين، يدقون الظلمة الصلبة ويشتعلون، أعادوا تركيب الوطن من جديد وساروا على الطريق، البحر الميت الذي تشرف مرتفعات بيت فجار عليه تحول الى معبر وممر لنقل الرجال والبنادق والقنابل والصواريخ والجمرات الاولى بين شرق الاردن وفلسطين.

حافظ عبية صمم على اكمال النصب التذكاري، خارطة ذاكرته واضحة واضحة رغم كثافة الغموض في هذه المرحلة، يعثر على رجال الكتيبة الاموات والاحياء، من تجرعوا معه الملح والوجع في ساحات السجون، من انتصروا على الغياب والحرمان واقتلعوا الاسلاك بأياديهم الخشنة، من بنوا دولة السجون بطولة وتنظيماً وثقافة وهوية ووحدة وأضاءوا الشمس في منتصف الليل وظلوا يحلمون مستيقظين.

يلتقي حافظ مع زملائه في كتيبة بيت فجار،الاحياء منهم أصبحوا كباراً في السن يحملون الكثير الكثير من الحكايات، والاموات منهم تركوا لحافظ ان يروي ما رأى، انيحك الارض، ان يدون نيابة عنهم ذكريات ما قبل الموت وبعده حتى يصبح الفارق بين الموت والحياة قليل.

كتيبة بيت فجار كما اسماها المعتقلون في سنوات الستينات والسبعينات، هم من رجال شاركوا مشاركة واسعة في الثورة الفلسطينية التي تلت الاحتلال الاسرائيلي عام النكسة 1967، حظيت باهتمام واسع ومطاردة شرسة من قبل مخابرات الاحتلال وقواته، بعضهم استشهد وبعضهم قضى سنوات طويلة في سجون الاحتلال.

في بيت فجار يجتمع (الختيارية) من الأسرى المحررين في كتيبة بيت فجار مع حافظ عبية صاحب النصب التذكاري:شكري طقاطقة،ذياب ثوابتة، كاظم ثوابتة، صابر ديرية، عبد الفتاح ديرية، علي عبد الفتاح ديرية، احمد عبد القادر ثوابتة، فتحي ثوابتة، احمد محمد بلو ثوابتة وغيرهم، يكتبون على النصب التذكاري اسماء الشهداء: محمد يوسف ثوابتة(ابو جلال)، ومحمد حسن ثوابتة، عندليب طقاطقة، ويتركون مساحة لاسماءهم في الجولة القادمة.

رجال الكتيبة يقرأون الفاتحة على قبر الشهيد الأسير المحرر أحمد عبد القادر ثوابتة(ابو نبهان)، الرجل الاساس في كتيبة بيت فجار، منظم المجموعات وقائدها والمحرك الاول لعملياتها العسكرية، استشهد في اشتباك عسكري مع جيش الاحتلال، وعندما وجدوه كان مسدسه في يده بعد ان نفذت ذخيرته، علقته قوات الاحتلال من قدميه بحبل في طائرة مروحية طافت فيه ارجاء القرية عدة مرات، تعبيراً عن الحقد والانتقام من الرجال الشجعان.

جاء حافظ عبية الى بيت فجار ليقدم العزاء بوفاة اقدم رجال الكتيبة واكبرهم سناً الأسير المحرر الحاج أحمد محمد ثوابتة( ابو محمد بلو)، لم يسعفه الوقت ليخط اسمه على جدارية النصب التذكاري حيث توفي حافظ عبية (ابو حنان) بعد يومين من وفاة ابو محمد بلو، وجدوا تحت وسادته حجراً من بيت فجار وقلماً ودمعاً وأوراقاً كثيرة.

حافظ عبية (ابو حنان) الموثِق والموثَق، لم يكتب أسمه على النصب التذكاري الذي بناه، لقد عثر على زملائه ابناء الكتيبة ولم يعثر على نفسه، كان يعتقد ان ماضيه يأتي غداّ من بعده، وأنه لا يريد أن يموت أكثر ممن ماتوا قبله.