الدولة الأردنية.. الماهية والمكونات

بقلم: جواد العناني

ينصبّ مقال اليوم على عرض موجز لكتاب يشكّل جزءاً من مشروع بحث متكامل عن الدولة الأردنية. ومؤلف الكتاب هو أستاذ العلوم السياسية المخضرم الدكتور سالم النقرش من الجامعة الأردنية. وعنوان الكتاب هو نفس عنوان المقال. وبحسب ما يقول المؤلف “يعتمد هذا الكتاب على التحليل السياسي للوقائع والأحداث والمكونات بالتركيز على الدلالات والنتائج”.
 ولا شك أن كثيراً من الأسئلة تدور في ذهن من يتأملون ويتفكرون في تاريخ الدولة الأردنية، وتناقضاتها، والشروخ التي حصلت فيها، والظروف التي خدمتها لتستمر في البقاء وسط أحداثٍ عاتية متحدية. ولذلك فإن الكتاب “يؤكد فعالية معادلة الدولة الأردنية الحديثة من حيث كونها مشروعاً وطنياً وسياسياً مكتمل الأركان، وينزع نحو التطور”.
وقد قرأت الكتاب، وكررت المرور على بعض الأجزاء فيه أكثر من مرة. وبعدما أغلقتُهُ للمرة الأخيرة، بدأت تتفاعل في رأسي أسئلة كثيرة، وأحداث ذات أثر عميق على ماهية الأردن والعلاقة بين مكوناته تجاذباً أو نفوراً. ومن هذه الأسئلة على سبيل المثال لا الحصر. لماذا دخل الأردن حرب العام 1967 وشارك رمزياً في حرب 1973؟. هل كانت أحداث أيلول العام 1970 قتالاً بين الجيش العربي وقوات منظمة التحرير الفلسطينية أم بين مكونات الشعب الأردني؟ ماذا لو نجح واحد من المحاولات الانقلابية في الخمسينيات أو ستينيات القرن الماضي؟ ماذا سيكون وضع الأردن لو أن الأردن شارك الحلفاء في الحرب ضد العراق العام (1991)، ولماذا شارك العام (2003)؟ ماذا لو لم تحصل هزة النفط العام (1973)؟.
هنالك أسئلة كثيرة حصلت، وكان لها بصمات واضحة وكبيرة على تاريخ البلد، ولكنني أطرح الأسئلة هنا وفق أسلوب “ماذا لو”، أو ما سمّاه أستاذ التاريخ الاقتصادي الفائز بجائزة نوبل “دوغلاس نورث”، بالسؤال الافتراضي المغاير للحدث التاريخي “ماذا لو لم تبنِ الولايات المتحدة السكك الحديد إلى الغرب، فهل ستتغير معدلات النمو؟”.
الأستاذ الدكتور النقرش لم يطرح هذه الأسئلة، ولكنه تعرض لبعضها بالنقاش في سياق بحثه حول ماهية الدولة، وتجد أن الأردن بالرغم من كل العقبات، والانتقادات، والتناقضات، والضغوطات، والمؤامرات، والمواقف المعقدة قد نجح في اختبار الزمن. والسؤال الكبير الذي يجب أن نبحث له عن جواب هو “لماذا؟”.
ويمر الكاتب في بحوث الكتاب وفصوله على عناوين مهمة تسعى لتحقيق إجابات عن أسئلة مهمة.. ومن هذه الأسئلة، وبعضها مستقبلي وسيصبح أكثر وضوحاً وجذباً للانتباه في المستقبل القريب، “هل هنالك بالضرورة حتمية للصراع بين النموذج الهاشمي العربي والنموذج الصهيوني في المنطقة؟”. “من هم النخب الأردنية وكيف يصبحون نخباً، وهل يتغيرون مع الزمن؟”. معنى المحاصصة؟ وما معناها في القاموس السياسي الاجتماعي في الأردن؟”. “لماذا لا تنجح الأحزاب في الأردن؟” ما هي مكونات المجتمع الأردني، وما هو دورها السياسي؟
هذه بعض من الأسئلة التي سنواجهها قريباً في الأردن. وبات الإصلاح والتطوير يملي على الواقع إجابات متفق عليها لتلك الأسئلة المعقدة لأن نجاحنا في ذلك يضعنا على عتبة جديدة. نحن بحاجة لإصلاح حكومي شامل، وبحاجة إلى تغيير في العلاقات الاجتماعية، وبناء مؤسسات حديثة مرنة قادرة على الحفاظ على الدولة الأردنية واستمراريتها.
كتاب الدكتور النقرش يفتح الأعين على أسئلة مهمة بعضها نعرفه ولكن لا نجيب عليه، وبعضها لا نعرفه وعدم إدراكنا للإجابة لا يعفينا من مسؤولية التصدي لها.
انتظر الجزء القادم من هذا البحث عن الدولة الأردنية، وأهنئ الأخ الباحث الأريب على تصديه لهذا الموضوع الحيوي المعقد.