اكرم صفدي : بدون الصورة التوثيقية .. تبدو الحياة صحراء قاحلة..!

القدس- "القدس" دوت كوم - محمد زحايكة - يعتبر المصور الفوتوغرافي والفني الاحترافي ومخرج الافلام الوثائقية اكرم صفدي من رعيل المصورين الذين انطلقوا الى رحاب الصورة الى العالمية مع ارهاصات الانتفاضة الشعبية الاولى وبنى له حيزا مشهودا في فن الصورة التي يقال انها تساوي في عصر الصورة اليوم الف كلمة او يزيد . والصفدي ينزع سواء في صوره الفنية او افلامه الوثائقية نزعة حداثية تجريبية لها ما لها وعليها ما عليها . ورغم اقراره بعالمية الصورة الفلسطينية وقدرتها على التأثير نتيجة لزخم الحالة النضالية والكفاحية الفلسطينية الا انها ما زالت حبيسة الدعاية المباشرة ولم تغادر هذا المربع الا في نطاق ضيق، ربما لان اللقطة او اللحظة الساخنة في المشهد الفلسطيني تطغى على غيرها من الجوانب الانسانية .

ويرى صفدي في حديث لصالون القدس الثقافي ، ان الصورة الفوتوغرافية تذهب عادة من التجريد الى الملموس في حياتنا الواقعية ومشهدنا الفضائي الرحب " أذكر ان بداياتي مع الصورة كانت حالة توثيق للام التي تبني بيتها في بير نبالا من ضواحي القدس على مراحل وبعد ان يهدها التعب والكد طوال اليوم ، تجلس في زاوية للاستراحة وتشعل غليونها .. وهنا تتدخل عين الكاميرا لالتقاط هذا المشهد التوثيقي بامتياز .. فالصورة ركن اساسي من اركان التوثيق للحياة ودورتها الابدية .. بدونها تبدو الحياة صحراء قاحلة " .

الدوافع ..!

ويشير صفدي الى اهمية الدافع وراء التقاط الصورة الفنية " صورة العلم الفلسطيني في الانتفاضة الاولى الذي كان تعليقه في اي مكان يكلّف الشباب دماءهم وحياتهم عندما يفتح الجيش النار عليهم او يجبرهم على انزال علم مرفوع على اسلاك الكهرباء وما يمكن ان يتعرضوا له من اخطار التيار الكهربائي .. هذه الحالة دفعتني الى توثيق صورة المرأة الفلسطينية الفلاحة وهي تطرّز العلم الفلسطيني على القماش في بيتها .. ليصبح أيقونة وطنية يدافع عنها الناس بكل ما اوتوا من قوة وعاطفة وطنية .. وعلينا ان نذكر انه في هذه المرحلة وما قبلها كانت الكثير من الكتب ممنوعة مثل مؤلفات غسان كنفاني ومحمود درويش ومظفر النواب لانها تحض على المقاومة واكتساب الوعي الوطني .. وهذه دفعتني ايضا الى توثيق بعض معالم الحرب الاسرائيلية ضد الثقافة الوطنية في حينها ".

وأضاف " ان الناقد الفني يرى في الصورة الفنية ما لا يراه المشاهد العادي فهو يهتم بالتفاصيل الصغيرة كالدافع او المحرك الاولي وراءها ، وهل توّثق وتؤرخ لقضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية لمسيرة شعب او عائلة ممتدة وما قيمتها اليوم ؟ ، وهل تعكس بصدقية حركة شعب ونضاله ؟ .. فمثلا الانتفاضة الاولى بدأت عفوية .. فهل استطاعت الصورة ان تسجل وتوّثق هذه اللحظات العفوية وبالتالي قدرتنا لاحقا على تحديد قيمة هذه الصورة في وقتها واليوم ، وهل هي صورة تأريخية توثيقية ام جمالية وفنية صرف ؟ ، ونضرب مثالا على ذلك صورة الصخرة المشرفة وقد انعكس عليها ضوء يبهر الانظار .. كل هذه العناصر تتدخل في قراءتنا للصورة وقيمتها واهميتها في حركة اي شعب يخوض نضالا وكفاحا من اجل الحرية "..

عبادة الصورة ..!

وقال الصفدي ان الصورة ساهمت في تطور وعي الفلسطيني عبر محطات نضالية عديدة كل واحدة لها سمات مختلفة عن الاخرى من بينها انتفاضة الحجارة والخروج من بيروت حيث ترافقت اهمية وتطور الصورة مع ابداع اخر وهو الشعر الذي جسده الشاعر الراحل محمود درويش في ذاكرة النسيان وما علق في هذه التجربة من التباس في صورة البطل او الفدائي الفلسطيني المسلح وقدرته على تحقيق المعجزات والحرب السرية مع المستعربين والقوات الخاصة الاسرائيلية مع المتظاهرين العزل من حملة الحجارة او الذين يعلقون العلم الفلسطيني على عامود كهرباء او افراد القوات الضاربة وما عرف بالجيش الشعبي ابان الانتفاضة .. حيث افرزت هذه المرحلة ما يمكن تسميته ظاهرة عبادة الصورة .. كما فتح الباب امام صور توثيقية لظواهر التعليم الشعبي والبيتي والزراعة وتربية الدواجن والحيوانات المنزلية وتقديم صورة الفلسطيني بشكل مغاير في سياق تاريخي وبمضامين لصورة لها – شيفرات- بصرية مختلفة تلامس وتحاكي الواقع وتخلق صورة بلغة فنية خاصة لم تكن موجودة بهذا الوضوح والسطوع من قبل " .

وخلص المصور الفنان صفدي الى ان التعاطي مع الصورة فنيا يلزمه عين ثاقبة ولماحة قادرة على قراءة لغة الالوان من اسود وابيض والخصائص الفنية للصورة وطبيعة هذه الالوان من الوان باردة وحارة وتفاعلها مع العين وتحليل كافة العناصر الداخلية للصورة من خطوط واطر وكيفية توزيع الاشكال ونقاط الارتكاز والتكوين داخل الصورة ومدى تأثيرها على العين والقدرة على تحليل وتفكيك هذه العناصر .. مع ادراكنا ان الكاميرا مخلوق ذكي خاصة في زمن التصوير الرقمي " الديجتال " وحاجتنا بالتالي الى عين ناقدة لماحة تستطيع ان تقرأ ما بين السطور .