الديموقراطية التمثيلية ما بين الديموقراطية الإحتجاجية والفوضوية

بقلم: الدكتور ناجي صادق شرّاب

أستاذ علوم سياسية - غزة

لقد كشفت الإحتجاجات التي شهدتها فرنسا مؤخراً على مدار أكثر من شهر والتي إتسمت بالعنف وقدر كبير من الفوضوية مدى التحديات التي تواجه الديموقراطية التمثيلية. والتي تتباهى فرنسا بأنها أرض الثورة الفرنسية الكبرى وشعاراتها التي ما زالت تحكم مسار ديموقراطيتها :الحرية والإخاء والمساواة.

وفي مقالي اليوم سأركز بشكل مباشر على إنعكاسات هذه الإحتجاجات على الديموقراطية التمثيلية وما تشهده من تراجعات وتحديات ، وتنبؤات وصلت لحد تشبيهها بانها تموت أمام النزعات الشعبويه اليمينية المتصاعدة في كل الغرب، والتي تحمل شعارات مناقضة للديموقراطية، وتتسم بدرجة عالية من العنصرية والقومية الشوفينية ، والعداء لكل ما هو أجنبي .

ما شهدته فرنسا ليست الأولى من الإنتفاضات والإحتجاجات، ولو جاز لي تلخيص تاريخ فرنسا منذ 1789 لرأينا أكثر من ثورة وأكثر من دستور، ، ولم تشهد إستقرارا إلا منذ عام 1958 وتأسيس الجمهورية الخامسة بقيادة شارل ديغول، وأول تحد لهذه الجمهورية مع ثورة الشباب عام 1968 والتي شارك فيها رموز الفكر والفلسفة أمثال سارتر ودوبريه، والتي إنتهت بإستقالة ديغول في أعقاب إستفتائه الشهير الذي توجه به إلى الشعب ليقول الشعب الفرنسي لا لديجول الزعامة التاريخية الفردية ونعم للجمهورية الخامسة التي أسسها ديغول، مما أعتبره البعض إنتصارا له.

ومنذ ذلك الوقت شهدت فرنسا أحتجاجات وإنتفاضات كثيرة تم إستيعابها وإحتوائها، لكن أخطرها ما شهدته الأيام الأخيرة، والتي وضعت الديموقراطية الفرنسية والرئيس ايمانويل ماكرون على المحك.ما شهدته فرنسا وبعض العواصم الغربية يبرز إشكالية الديموقراطية اليوم، والتساؤل الذي يطرح هو :من يعبر ويمثل الديموقراطية؟ هل هي ديموقراطية الشارع على حساب ديموقراطية البرلمان؟ وهل الإحتجاجات في أي وقت من حق المواطن ليعبر عن رأيه ومطالبه ويرسلها مباشرة لمن يمثلون الديموقراطية التمثيلية المنتخبة؟

وكما أشار الرئيس ماكرون وفي إعتذاره لشعبه انه من حق المواطنين الإحتجاج السلمي ، لكن الإنتقال للفوضى والتخريب فهذا يهدد الأمة، والأمة الفرنسيه فوق الجميع، ثم تراجعه وإستجابته لمطالب المحتجين بإلغاء الضرائب ورفع الرواتب للغير قادرين، يعتبر إنتصار للديموقراطية ، ونجاحاً للممارسة الديموقراطية. وهذا أول دروس الديموقراطية التي ترسلها فرنسا، لكن في الوقت ذاته فإن الحركة الإحتجاجية تلقى الضوء من جديد على ما تواجهه الديموقراطية التمثيلية وأساسها السيادة الشعبية، وهنا التنازع. الإحتجاجيون تمسكوا بنفس الحق الذي تمسك به ممثلو الديموقراطية التمثيلية ممثله في البرلمان والرئيس.

والديموقراطية كما هو معلوم في أدبيات الديموقراطية هي مقاربة سياسية وأيدولوجية، وعقد إجتماعي بين الحاكم والمحكومين، وتذكرنا بفلاسفة العقد الإجتماعي روسو وصاحب نظرية الإرادة العامة، ومنتسيكيو ونظرية الفصل بين السلطات وفولتير المدافع عن حرية الرأي والتعبير. وأساس هذا العقد أن يقوم الحاكم والنائب المنتخب والمفوض من قبل الشعب لفترة زمنية محددة تجدد عبر انتخابات دورية ضمانا لمبدأ تداول السلطة بما يسمح للجميع الوصول للسلطة، يقوم هؤلاء بإتخاذ القرار بما فيه مصلحة المواطن، وهنا الإشكالية التي كشفت عنها الإحتجاجات التي شهدتها فرنسا، المواطن وسلم توقعاته وإحتياجاته المتزايدة يريد أن يرى الإستجابة لما يريد، وصانع القرار وإن كان في إعتباره هذه الحاجات والمطالب قد يكون محكوما بالقدرات والإمكانات التي تحكم قراره، ولذلك قد تأتي القرارات بما لا يريد المواطن، وهذا قد يتسبب في ظاهرة الإحتجاجات والتي قد تتحول لحركة غوغائية، مما يبعد هذه الإحتجاجات عن مسارها السلمي خاصة أنها قد جاءت مدعومة من التيارات الشعبوية اليمينية التي تريد إسقاط الحكومة.

ولذلك لم نرَ في صفوف هذه الحركات النخب الفكرية والأكاديمية، لكنها تكشف عن التحديات والتهديدات التي تواجه الديموقراطية التمثيلية. ما حدث يعكس التناقض بين الحركات الإحتجاجية أو ديموقراطية الشارع اللامنظم، واللاقيادي، والذي تحكمه غوغائية، وبين المؤسسات والعمل الجماعي المحكوم بالضوابط القانونية. هناك من يرى في الديموقراطية الإحتجاجية شكلا جديدا ووسيلة من وسائل التعبير عن الحقوق في الوقت الذي بدت فيه النخب الحاكمة وقد أصابها التكلس والإنسداد والتسامي عن بقية المواطنين، كما أنها آليه لتجديد النخب الحاكمة ، ونقد عجز المؤسسات والنخب الحاكمة على الإستجابة للمطالب المتنامية والمتزايدة للمواطنين والتي تفوق قدرة من يحكم على الإستجابة.

وليست المرة الأولى التي تتم فيها معالجة ومناقشة هذه التحديات ، ففي المعنى نفسه جاء كتاب الباحث الأمريكي مونك: الشعب ضد الديموقراطية، وفيه يناقش الكتاب تراجع الديموقراطية الليبرالية في مواجهة الشعبوية القومية العنصرية. وخطورة ما تواجهه الديموقراطية ان هذه الإحتجاجات والتراجعات تتم في بيئة سياسيه تندفع نحو اليمين القومي الشعبوي .

ما يجري اليوم هو صراع حول الهوية والثقافة والأيديولوجية، وقدرة الشعبويات على الحشد الجماهيري ، ولا شك أن أسلوب العنف هو الأقرب لأيدولوجيا الفوضى ، وهذا يضع الديموقراطية أمام قوة الديموقراطية الإحتجاجية وديموقراطية الفوضى.

وأخيرا الديموقراطية تعبير عن بيئة وواقع سياسي مغاير تماما للديموقراطية التمثيلية، فمشاكل الإرهاب واللاجئيين والأزمات الماليه التي تواجه أنظمة الحكم في الغرب كلها تعطي الفرصة لتراجع الديموقراطية الليبرالية، مما ينبئ اننا مقبلون على نظام سياسي لم تتبلور معالمه بعد.

drnagishurrab@gmail.com