ترامب والفلسطينيون والعام الذي انصرم: تفاقم العلاقات واحتدام المواجهة

واشنطن - "القدس" دوت كوم - سعيد عريقات - بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب عام 2018 "بتغريدته" على حسابه الخاص على شبكة التواصل الاجتماعي "تويتر" يوم 3 كانون الثاني 2018، قال فيها إن الولايات المتحدة تمنح الفلسطينيين الكثير من الأموال وهم لا يظهرون الامتنان لذلك، وينكرون هذا الجميل، وينتهجون سياسة معادية لجهوده ومساعيه الرامية لإنجاز صفقة سلام بين الفلسطينيين وإسرائيل أسماها بـ "صفقة القرن"، ملمحًا بأنه سيتخذ نهجًا مخالفًا يضاعف فيه الضغط على الفلسطينيين لإجبارهم على العودة إلى "طاولة المفاوضات".

وكان ذلك في أقل من شهر بعد أن كان الرئيس الأميركي قد أعلن أن الولايات المتحدة تعترف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل يوم 6 كانون الأول 2017، ومتعهدا بنقل السفارة الأميركية - وهو بالفعل ما قام به يوم 14 أيار 2018 – جازمًا بأن هذه القضية - قضية القدس - قد أزيحت عن الطاولة في أية مفاوضات مستقبلية.

طبعا كان ترامب وإدارته وممثلته في الأمم المتحدة نيكي هايلي (التي انتهت ولايتها يوم 31/12/2018) في ذلك الوقت يلعقون جراحهم بعد أن منوا بهزيمتين متتاليتين في الأمم المتحدة، الأولى في مجلس الأمن يوم 18 كانون الأول 2017 حين صوت 14 عضوا في المجلس، بمن فيهم حلفاء واشنطن، لإدانة قرار إدارة ترامب الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، واعتباره خرقا للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، مما اضطر واشنطن لاستخدام حق النقض "الفيتو"، ومرة أخرى يوم 21 كانون الأول 2017 حين صوتت 128 دولة لصالح فلسطين، بينما صوتت إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل سبع دول أخرى، وامتنعت 35 دولة عن التصويت تحت وطأة التهديد والابتزاز الأميركي الصريح. فقد قال الرئيس الأميركي ترامب (في آخر اجتماع للوزارة الأميركية قبل نهاية عام 2017) يوم 19 كانون الأول 2017 في البيت الأبيض "إنهم يأخذون منا مئات الملايين من الدولارات وحتى مليارات الدولارات، ثم يصوتون ضدنا. حسنا، نحن نراقب تلك الأصوات. دعهم يصوتون ضدنا. سنوفر الكثير"، فيما كانت هيلي قد هددت بأن "الولايات المتحدة تسجل الأسماء" بطريقة ابتزازية أثارت التقزز في كثير من عواصم العالم.

ولم تمض أيام قليلة على تغريدته تلك، حتى ألحقها بأخرى معلنًا أنه سيجمّد المساعدات الأميركية للفلسطينيين، سلطة وبرامج وغيرها، بل وسيجمد الأموال المخصصة لدعم "اونروا" والتي كانت قد أقرتها إدارته بمبلغ 65 مليون دولار، و40 مليون دولار أخرى مخصصة للرعاية الصحية والتعليم في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة المحاصر (بما مجموعه 105 مليون دولار). وبعد ذلك بأقل من ثمانية أشهر (31/8/2018) أعلنت إدارة ترامب أنها ستتوقف بشكل كامل عن دعم الأونروا بحجة أنها "وكالة تدار بشكل سيئ يصعب إصلاحه" إضافة إلى أن الإدارة الأميركية تعتبر أن "عدد اللاجئين الفلسطينيين المدرجين على قوائم الأونروا بخمسة ملايين، عدد مضخم بشكل كبير"، وهي الفكرة التي أشرف على بلورتها أحد واجهات اللوبي الإسرائيلي في واشنطن، "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" والتي كان قد سوقها أمام الكونغرس الأميركي رئيس المؤسسة مارك دبويتز وأحد الباحثين فيها جوناثان شانزر، الذين يروجون أن عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين لا يزالون على قيد الحياة يتراوح بين 30 إلى 50 ألف لاجئ لا غير.

بدوره رفع الرئيس محمود عباس، من وتيرة المواجهة مع إدارة الرئيس ترامب حين طالب مجلس الأمن الدولي خلال جلسة استثنائية يوم 20 شباط 2018 بوضع "آلية دولية متعددة لرعاية محادثات السلام، وعدم الاكتفاء بالطرف الأميركي فقط"، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، محذرًا من أنه في حال عدم قيام الدولة الفلسطينية فإن على إسرائيل دولة الاحتلال أن تتحمّل مسؤوليتها، وأن على المجتمع الدولي الاعتراف بدولة فلسطين، مشدداً على أن السلطة الفلسطينية ستطالب بالحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة وتأمين الحماية الدولية للشعب الفلسطيني عارضا على مجلس الأمن مبادرة تتضمّن عقد مؤتمر دولي للسلام يشمل الأطراف الإقليمية والرباعية، على غرار مؤتمر باريس.

وحول تفاصيل المبادرة، قال عباس "سيكون من مخرجات هذا المؤتمر الاعتراف بدولة فلسطين ومنحها عضوية كاملة في الأمم المتحدة، وتبادل الاعتراف بين دولة فلسطين وإسرائيل على حدود عام 1967، وتشكيل لجنة دولية تساعد الأطراف على التوصل إلى حل بحسب اتفاقيات أوسلو، على أن يؤكد كذلك على وقف الخطوات أحادية الجانب، بما فيها المستوطنات والاعتراف (الأميركي) بالقدس عاصمة ونقل السفارة الأميركية إلى هناك" مطالباً بحصول فلسطين على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة وتأمين الحماية الدولية للشعب الفلسطيني. ولم تمض أيام قليلة على خطاب عباس ، حتى أعلنت إدارة ترامب يوم 23 شباط 2018 نيتها نقل السفارة من تل أبيب للقدس المحتلة يوم 14/5/2018 بتزامن غير مقنع مع ذكرى النكبة الفلسطينية.

الإدارة الأميركية لم تقف عند هذا الحد، بل أعلنت يوم 10 أيلول 2018 أنها قررت إغلاق مكتب "مفوضية منظمة التحرير الفلسطينية" في واشنطن الذي طالما وعمل كسفارة فلسطين في العاصمة الأميركية ، وأعطت البعثة 30 يوما لإغلاق المكتب وإنهاء أعماله، وهو القرار الذي لحقه قرارها يوم 18 تشرين الأول 2018 ب "دمج القنصلية الأميركية في القدس الشرقية" للسفارة الأميركية، رغم أن هذه القنصلية تعمل منذ عام 1944 كبعثة دبلوماسية مستقلة تأتمر بشكل مباشر بوزير الخارجية الأميركي في واشنطن، منهية بذلك أي اتصال فلسطيني أميركي دبلوماسي مباشر.

أما بشأن مساعي ترامب لإبرام سلام فلسطيني إسرائيلي تدعمه دول المنطقة، ويأخذ في الاعتبار الأول العدو المشترك بين العرب وإسرائيل (إيران)، فمنذ بداية العام، والإدارة تسرب أنها قاب قوسين أو أدنى من إعلان "صفقة القرن" التي يشرف على إعدادها فريق من المتدينين اليهود والمؤيدين التاريخيين لحركة الاستيطان، صهره جاريد كوشنر الذي تحتفظ عائلته بموقع على مجلس إدارة مستوطنة بيت إيل التي طالما أغدقت عليها الأموال (بمبلغ 18 مليون دولار على الأقل)، ومستشاره للمفاوضات الدولية جيسون غرينبلات، وسفيره في إسرائيل ، ديفيد فريدمان، الذي يعتبر من أشد مؤيدي الاستيطان والداعم لمستوطنة بيت إيل، والذي يرفض استخدام "أراض محتلة" في وصف الضفة الغربية والقدس الشرقية.

تارة، سيتم الإفراج عن هذه الصفقة في ربيع 2018 بالتزامن مع نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس المحتلة (14/5/2018)، وتارة أخرى في مستهل الصيف، وبعد ذلك، تسرب انها ستعلن بالتزامن مع الدورة 73 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نهاية أيلول 2018، وبعد ذلك، أعلن الرئيس الأميركي ترامب في إطار لقائه مع رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو على هامش الجمعية العامة (الدورة 73 يوم 26/9/2018) أنه سيتم الإفراج عن "صفقة القرن " خلال ثلاثة أشهر أي قبل نهاية 2018، ومن ثم في الأشهر الأولى من عام 2019 المقبل... لكن ذلك كان قبل أن يعلن نتنياهو عن انتخابات مبكرة يوم 9 نيسان 2019 المقبل، بما يجعل احتمال إطلاق "صفقة القرن" التي طال الحديث عنها في المدى المنظور، أكثر صعوبة، إن لم يعد مستحيلا.

ولعل أكثر الأمور إحباطًا، وما تميزت به هذه الإدارة عن سابقاتها، يكمن في عدم اكتراثها بالانتهاكات الإسرائيلية السافرة لحقوق الإنسان. ففي حين أن الاستشراء الاستيطاني بلغ ذروته في العام المنصرم، شأنه شأن الإفراط باستخدام القوة من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضد المدنيين العزل في قطاع غزة المحاصر والضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلتين، حيث تقوم سلطات الاحتلال مع سبق الإصرار والترصد بإعدام الفلسطينيين ميدانيًا، وبأسلحة أميركية بشكل روتيني، فلم تنطق هذه الإدارة بكلمة واحدة تعبر فيها عن "قلقها" كما فعلت الإدارات السابقة الجمهورية والديمقراطية، كما أمعنت في تبني الرواية الإسرائيلية مرة تلو الأخرى، كان آخرها يوم 6 كانون الأول 2018 حين حاولت واشنطن استصدار قرار من الجمعية العامة يدين حركة حماس، ولكنها منيت بهزيمة جديدة على المسرح الدولي.

الإدارة الأميركية نفسها تشعر بالإحباط بسبب قدرة الفلسطينيين على الاستمرار في ابتكار أساليب جديدة للمقاومة كما نشهد في مظاهرات ومسيرات العودة في غزة التي تندفع ذاتيا، والتي أعادت القضية الفلسطينية لتتصدر أولوية ملحة بين الملفات الساخنة بعد أن كانت تأمل الإدارة (بإرشادات نتنياهو) أن هذه الأولوية تراجعت وأن "الدول العربية السنية" ترى في معاداة إيران أمرا أشد إلحاحًا. كما أن الإدارة الأميركية تشعر بإحباط مذهل بسبب عدم انكسار الفلسطينيين حتى الآن أمام قوتها العاتية من ثقل عالمي ومالي وقطع للمساعدات المالية وغيرها، بل أكثر من ذلك، قدرة الفلسطينيين على إحراز انتصارات ملموسة على المسرح الدولي، الأمر الذي يضعها (الولايات المتحدة) في موقع الحرج والإرباك.

إذًا، العام الذي قضى اتسم بتفاقم العلاقات الفلسطينية الأميركية، والعام المقبل ينذر بأن هذه العلاقة ستزداد تفاقمًا، والمواجهة أشد احتدامًا. خاصة وأن الفلسطينيين سيفتتحون العام المقبل في شهره الأول، بالتقدّم بطلب إلى مجلس الأمن الدولي كي تصبح "دولة فلسطين" التي تحتفظ بعضو مراقب في الأمم المتحدة، دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة، وهو التحرك الذي ستواجهه واشنطن باستخدام حق النقض (الفيتو) لا محالة.