حركة فتح : المحددات الإقليمية والدولية

بقلم: الدكتور ناجي صادق شراب

استاذ علوم سياسية-غزة

الجزء الثاني

تناولت في مقالة سابقة المحددات السياسية الداخلية لحركة «فتح»، وإنتهيت إلى أن البيئة السياسية التي نشأت فيها في الستينات من القرن الماضي لم تعد قائمة وهذه ظاهرة طبيعية في كل الحركات الوطنية التي شهدتها الكثير من دول العالم الثالث كالحركة الوطنية الجزائرية. فلا توجد بيئة سياسية جامدة، بل بيئة سياسية حالة متغيرة، ورأينا كيف ان فتح قد فقدت كثير من عناصر القوة التي جعلت منها الحركة الأساس التي يقوم حولها النظام السياسي، وتتلخص في بؤرتها السياسية كل التفاعلات السياسية، وفي بنيتها مركز صنع القرار السياسي الفلسطيني.

هذا لم يعد قائما، فلقد شهدت هذه البيئة العديد من المتغيرات على مستوى الحركة وعلى مستوى بيئة النظام السياسي الفلسطيني، فإشكالية حركة «فتح» التغير السريع ليس فقط في بيئتها السياسية الداخلية، والتغير في البيئة السياسية الفلسطينية.

ولعل الإشكالية الكبرى في متغير البيئة السياسية الداخلية، ونقصد بها مدخلات النظام كانت متسارعة ومتعددة لدرجة أكبر من قدرة الحركة على التكيف معها، وعلى مستوى البيئة الفلسطينية الشاملة برزت العديد من التغيرات والتطورات مثل، بروز فواعل جديدة كحركة «حماس» والتي فازت بانتخابات عام 2006 وباتت شريكا رئيسا في صنع القرار والسياسة العامة، وبروز دور حركة «الجهاد» وغيرها من التنظيمات، كالحركات الإسلامية المتشددة فلم تعد الحركة هي القوة الأحادية التي يلتقى عندها صنع القرار، وزيادة درجة التدخل الخارجي في القرار السياسي الفلسطيني، وزيادة درجة الإعتماد على الخارج في الأمور المالية، بروز دور السلطة وتراجع دور مؤسسات منظمة التحرير، وزيادة عدد السكان بشكل زادت معه الإحتياجات والمتطلبات لتفوق القدرة على الإستجابة لها لتخلق فجوة كبيرة في سلم التوقعات أدت إلى مزيد من الإحباط وتراجع قدرة المواطن على تلبية إحتياجاته مما دفع لبروز بعض الإحتجاجات التي يمكن أن تكبر في إنتفاضة كبيرة.

كما ازداد دور المتغير الإسرائيلي في مخرجات النظام السياسي الفلسطيني. هذه بعض المتغيرات التي لحقت ببيئة النظام السياسي الفلسطيني، وتفرض الكثير من التساؤلات: هل من أولوية في بقاء حركة فتح الحركة الرئيسة؟ وهل من عوامل وقوى سياسية داخلية تعمل على إجهاض دور الحركة وتقزيمها، ومحاولة إستبدال دورها بدور حركة من داخلها كالتيار الإصلاحي؟ كما يطرح السؤال: هل ما يمنع من تفكك الحركة إلى حركتين رئيسيتين؟ الإجابة نعم من منظور التغيرات في البيئة السياسية للحركة وللنظام ككل. ومما يدعم من هذه الفرضية التغيرات على مستوى بيئة الحركة إقليميا ودوليا. ولماذا هذا السؤال؟ لأن حركة فتح الأم كانت لها إمتدادتها الإقليمية والدولية بإعتبارها فاعلا رئيسا يستمد أهميته من أهمية القضية الفلسطينية وهيبتها ومكانتها.

وهنا العلاقة القوية بين هيبة ومكانة القضية وبين هيبة ومكانة الحركة، كما أن لها حضورها القوي في شتى المظاهر على مستوى الأحزاب والقوى اليسارية والوطنية، وعلى مستوى النقابات والإتحادات النقابية والطلابية. لقد نشأت حركة فتح في ظل بيئة عربية حاضنة وبيئة دولية داعمة، فنشأة الحركة تزامنت مع بروز تيار الحركة العربية، وزخم القومية العربية والفكر الناصري، والأفكار البعثية، وكلها تجتمع على قاسم مشترك هو التحرر من الإستعمار، ومن الخطر الصهيوني وتبني كل مطالب الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

ولا أبالغ اذا ما قلت ان هذه الفترة شهدت تعامل الدول العربية مع المواطن الفلسطيني على أنه أحد مواطنيها، ومارس حقوقه وأنشطته بقدر كبير من الحرية، وفتحت له أبواب العمل والإقامة والتعليم. وكل هذه العوامل ساهمت بشكل كبير في الحفاظ على الهوية والشخصية الفلسطينية، وكان يمكن أن تذوب الشخصية الفلسطينية وتندمج في مجتمعاتها.

لكن هذه البيئة والأفكار العروبية التحررية تمسكت بالحفاظ على الشخصية الفلسطينية، ولعل عنوانها الكبير وثائق السفر للاجئين التي حملها وما زال البعض يحملها حفاظا على الشخصية الفلسطينية. ولقد وفرت هذه البيئة العربية كل فرص التواجد والقوة لحركة «فتح»، كما رأينا في الأردن ولبنان وسوريا والجزائر والكويت وتونس واليمن وغيرها، وفتحت عاصمة العرب القاهرة للحركة وأنشئت لها مكاتب فيها، ورأينا كيف إحتضنت مصر والرئيس الراحل عبد الناصر حركة فتح وقادتها.

وعلى مستوى الدولي وجدت حركة «فتح» كل الدعم والمساندة من الإتحاد السوفياتي والصين وكوبا ودول العالم الثالث ، ووفرت لها كل أشكال الدعم.

هذه البيئة العربية لم تبق على حالها مثل اي بيئة سياسية ولا البيئة الدولية فلحقتها تطورات وتغيرات عملت في الإتجاه المعاكس لحركة فتح. وبدأت علاقات التوتر تطفو على سطح العلاقات العربية مع الحركة من دون إستثناء.

وكانت النكسة الكبرى عام 1967 ، ومع ذلك بقيت الحركة قوية ، بل إن الدول العربية وجدت في الحركة القناة للشرعية. إلا إن هذه العلاقات بدأت تنتابها الكثير من النكسات، بدءاً بأحداث الأردن وبداية الإنفصام في العلاقة بين أردنة وفلسطنة العلاقة ، وبعدها لبنان والخروج الكبير منها إلى تونس، لتبدأ مرحلة السياسة التي طغت على مسار الحركة ، وكانت الضربة القوية مع غزو العراق للكويت والإنغماس الفلسطيني غير المبرر في هذه الحرب وهو ما افقد الفلسطينيين دعم كل الدول العربية وخصوصا الدول الخليجية , وبداية مرحلة مدريد وصولا لأوسلو والعودة لغزة ، وبداية مرحلة السلطة الفلسطينية وتراجع دور منظمة التحرير، وطغيان السياسة بكل سلبياتها على الحركة لتتحول الحركة إلى حركة سلطة أكثر منها حركة تحرر.

ومنذ أوسلو تغيرت العلاقات مع إسرائيل وحكمتها مفاوضات طويلة لم تحقق أهدافها في قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، وما تخللها من حصار المقاطعة ورحيل الرئيس ياسر عرفات لتبدأ في رأيي المرحلة الأخيرة من مسيرة حركة «فتح» الواحده مع الرئيس عباس.

هذه البيئة العربية لم تعد تنظر لفتح على أنها الفاعل الرئيس الوحيد ، ولم تعد البيئة العربية بيئة حاضنه للحركة كما كانت، ولعل أبرز تغير على مستوى البيئة العربية والدولية هو الحضور المتزايد لتيار الإصلاح لحركة فتح، فكما نلاحظ تنامى هذا التواجد في العديد من الدول العربية الخليجية وفى مصر وعلى المستوى الدولى نجد هذا التواجد ليس فقط على مستوى الجاليات بل على مستوى رسمي ، وعلى مستوى العلاقات ببعض الدول الإفريقية وروسيا، وقد لا يعلن عن هذه العلاقات بشكل رسمي، لكنها تشكل تحولا ملفتا للنظر، وقد ينظر إليها على انها تمثل أو تعبر عن سيناريو الحركة ، وقد يتوقف الموقف الرسمي لمرحلة ما بعد الرئيس.

هذا التيار بدا له وجود في شكل مؤسسات واضحة في أكثر من دولة عربية وله نشاط، لا شك ان هذه التحولات والمحددات الإقليمية والدولية ستساهم في بلورة السيناريوهات المختلفة التي يمكن تصورها في المستقبل. وهذا ما سأتناوله في المقالة القادمة.

(... يتبع)

drnagishurrab@gmail.com