قراءة في قرار سحب القوات الأمريكية من سوريا!!

بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

قرر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في خطوة شجاعة واقعية منه وعلى عكس رأي الكثيرين من عسكريين ومدنيين أمريكيين وغير أمريكيين، سحب قواته الغازية المنتشرة في شرق نهر الفرات من الجمهورية العربية السورية، والمقدرة بألفي جندي، خلال مئة يوم على الأكثر وأقلها ستون يوماً، مبررا ذلك أنه هزم "داعش" وان قواته نجحت في مهمتها، وأنه لم يعد هناك فائدة من تواجدها على الأرض السورية بعد تحقيق هدفها. وما لبثت الدولة التركية بعد هذه الخطوة أن أرجأت هجوما عسكريا ضد القوات الكردية ( قسد ) في تلك المنطقة.

على إثر ذلك خرجت وسائل الإعلام الإسرائيلية المقروءة والمسموعة والمرئية، وشنت هجوما كاسحا ضد هذه الخطوة، واعتبرتها تعرض أمن إسرائيل للخطر الشديد، رغم أن نتنياهو لاذ بالصمت محتجا بأن هذا شأنا داخليا أمريكيا واكتفى بتهديد الإيرانيين. واعتبرت وسائل الإعلام الإسرائيلية خطوة ترامب بانها مقوضة للأمن الإسرائيلي، وبأنها داست على الإسرائيليين لتضعهم تحت جنازر الدبابات الروسية، ولتطلق حركة الإيرانيين في سوريا. وما لبثت أن خرجت تصريحات مطمئنة من رئيس الأركان الخارج من وظيفته، وكأن شيئا لم يكن.

حقيقة، قرار الانسحاب من الأراضي السورية قرار قديم، ولست مادحا له بقدر ما أنا واصفا له، قد جاء وفاء لوعد انتخابي قديم قطعه ترامب في حملته الانتخابية، وكان يتم تداوله في واشنطن، لأشهر خلت، وكان مرجئا تحت ضغط العسكريين الأمريكيين واليمين الأمريكي. فمن هنا كانت استقالة أو إقالة وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس بعد هذه الخطوة، على أن تدخل حيز التنفيذ في أواخر شهر شباط/ فبراير إن لم تتسارع قبل ذلك، أي بعد انسحاب معظم أو جميع القوات الأمريكية من سوريا. ثم استقال آخر وهو الموفد الأمريكي للتحالف الدولي لقتال داعش بريت ماكغورك احتجاجا على خطوة ترامب. وكانت تصريحات أمريكية وبخاصة من أعضاء من الكونجرس الأمريكي المتصهينين. علما بأن مسيرة ترامب الحافلة كانت استقالات وتعيينات.

الخلاصة أن جيش الاحتلال الأمريكي في شرق سوريا قد أخطر بالانسحاب. وللعلم هو جيش أجنبي محتل غاز دخل الأرض السورية، بدون إذن السيادة السورية الشرعية، ورابض على الأرض السورية واقتحم سيادتها ورفض الخروج منها، وها هو يخرج جارا أذيال الهزيمة، وتجد أصواتا عربية وكتابا عربا ينتقدون خطوة ترامب وآثارها السلبية على الوضع السوري وعلى ما أسموه ظلما وعدوانا بالثورة السورية. سبحان الله وكأن العرب المستعربة يتمنون بقاء القوات الأمريكية محتلة للأرض السورية، ويتمنون بقاءها وعدم رحيلها لضرب السيادة السورية والدولة السورية في تلاق واضح مع المصلحة الإسرائيلية.

المشكل أن كثيرا من العرب والكتاب العرب دخلوا عبر خطوة سحب القوات من سوريا، في دهاليز ترامب وتقلباته وأحجياته وسياساته الخاصة وعلاقاته الجنسية وجنونه وما إلى ذلك من تصرفات غير مقبولة، وكأنهم كشفوا شيئا جديدا وسرا كبيرا، وكأنهم لم يقفوا على بابه كثيرا واستجدوا، طمعا في امتياز أو وظيفة. ولم يستطع هؤلاء أن يقدروا قيمة هذه الخطوة عسكريا ومعنويا وماديا على أرض الواقع. ولم يتبينوا أهمية هذه الخطوة في ظل التخوف الإسرائيلي من أثرها وامتداداتها.

ودخل كثير من المعلقين والسياسيين في أسباب هذه الخطوة وجدليتها، ودعوا ترامب للتراجع عنها بل تضامنوا مع الصهاينة في دعوة ترامب للرجوع عن هذه الخطوة. ومن زخم وتراكم هذه الدعوات يخشى أن يعود ترامب عن هذه الخطوة الشجاعة تحت وطأة الضغوط العربية الصهيونية الأوروبية.

ويبدو ان الكثيرين من السلطويين العرب، لم يبصروا أن ترامب له حساباته التي لم ترق لهم بل لمن هم أقرب له ألا وهي إسرائيل، بل لم يتوقعوا أن تكون له حسابات مختلفة عن حساباتهم. ومن هنا كان ذهولهم وخذلان سياستهم. فمثلا ترامب حريص على أن يعاد ترشيحه وانتخابه بعد عامين لدورة رئاسية ثانية، وهذا من حقه. واعتقادي الشخصي أن خطوة سحب القوات الأمريكية من سوريا كان باعثها الرئيس باعثا انتخابيا. فها هو يقول للأمريكيين، ها أنذا أعيد لكم أبناءكم إلى وطنهم وعائلاتهم ولا أريد لهم أن يقتلوا أو يجرحوا في خارج وطنهم. وها هو يتبع هذه الخطوة بانسحاب آخر للقوات الأمريكية من أفغانستان. وهي خطوات قبل عيد الميلاد المجيد، عيدية لها اثر كبير على نفسية الناخب الأمريكي بعد حرب فيتنام وبخاصة أن الاقتصاد الأمريكي منتعش ومزدهر. فهو ليس حريصا على المصلحة الكردية أو العربية أو الإسرائيلية بقدر ما هو حريص على مصلحته الشخصية المتمثلة بإعادة انتخابه.

أضف أن هناك أقوالا تعزو ذلك الانسحاب الأمريكي لاتفاق أمريكي روسي سري مرجح، أو أن الرئيس التركي تعهد بقتال داعش وإنهائها، أو أنه قرر بطبيعته الاقتصادية أن يصرف أهل البيت على قضاياهم وشئونهم وأن لا يتحمل مصاريفهم. وبخاصة أن الدولة السورية كسبت الرهان في ضرب قوى الفرقة والتمزق. أيا كانت اعتبارات وأسباب سحب القوات، فهي تصب في مصلحة الدولة السورية القومية. ألم ينتهي القتال في داخل العراق وسوريا، وها هو يبدأ بهدنة في يمن الحديدة وفتح مطارها.

وماذا يعني الأكراد للسياسة الأمريكية وساستها بل دعني أقول ماذا يعني الفلسطينيون للسياسة الأمريكية وساستها أم صدقنا بدعة الأخلاق الأمريكية وشيمها . السياسة مصالح وهي التي تدير وجهتها وعليه فأمريكا تقول للأكراد اذهبوا إلى الجحيم الآن، سنسحب قواتنا وتلقوا ضربات داعش والقوات التركية أو على الأقل سنحيدها.سيقولون للأكراد أو قالوا فعلا: كنتم حلفاء لنا حين اقتضت مصالحنا ذلك، أما الآن فلم تعد مصالحنا تعتمد عليكم ولا حاجة لنا بكم، وسنحاول ان نجمع بينكم وبين الأتراك في بوتقة تعاون.

ولست مذكّرا أن هؤلاء الأكراد الذين لم يقرأوا خارطتهم السياسية بشكل صحيح من أيام سايكس بيكو ورفعوا شعار استقلالهم عن إخوانهم بدل الإندماج معهم بل خانوهم وتخلوا عنهم وثاروا ضدهم. لقد تم إقصاؤهم عن خارطة المنطقة في سايكس بيكو، مع أنهم شعب كامل المواصفات ويستحق تقرير المصير كشعوب الأرض، لكنه وقع بين أفكاك العراق وسوريا وتركيا، ولم يقبل أن يحقق حكما ذاتيا كاملا. فقبل بحكم الأجنبي الأمريكي المحتل ظانا منه أنه سيساعده وسيساعده على الاستقلال وتعاون مع الإسرائيلي. وها هو الأمريكي الغازي المحتل يغادر ويتركه نهبا لداعش والأتراك وللقوى الحكومية الأخرى لأنه غدر بها وتحالف مع المحتل فدفع ثمنا غاليا. ولن ينفعهم قوات ناتو ولا قوات ( قسد ) ولا قوات إسرائيلية، ولن ينفعهم سوى الإندماج في المجتمع العربي مع المحافظة على تقاليدهم وتراثهم.

قال علماء السياسة بأن السياسة ديناميكية متحركة وليست ستاتيكية ثابتة، وها هي ألأيام تؤكد صحة مقولتهم. فمن كان يتصور أن الرجل الذي اتخذ قرارات عدوانية بحق الشعب الفلسطيني وإيران ، واتخذ قرارات فوضوية بحق العالم بما فيها الصين وروسيا ، سيقرر اتخاذ خطوة شجاعة واقعية حتى لو كانت دوافعها شخصية، بسحب قواته المحتلة من فوق الأرض السورية خلال الشهرين القادمين، أم أن وراء الأكمة ما وراءها، وحقا أن الكلب الحي خير من الأسد الميت؟!