حركة "فتح" ..التطورات الداخلية والبيئة السياسية

بقلم: الدكتور ناجي صادق شراب

لا أحد يختلف على الدور الوطني الذي جسّدته حركة" فتح" في مسيرة النضال الفلسطيني ، عبر كل أشكال المقاومة العسكرية والسياسية المشروعة، ودورها في عملية بناء سلطة ومؤسسات تكون نواة الدولة الفلسطينية. وما زالت الحركة تحظى قاعدة جماهيرية قوية، ولها تواجدها أينما وجد الشعب الفلسطيني.

لكن في الوقت ذاته وكأي تنظيم أو فصيل فلسطيني لا يمكن تجاهل التحولات والتطورات على مستوى بيئة الحركة نفسها، وعلى مستوى البيئة السياسية الفلسطينية، والبيئة السياسية الإقليمية والدولية. هذه البيئات السياسية الثلاث وما طرأ عليها من تحولات تمس كيانية الحركة ومستقبلها. وإن الوقوف على تطوراتها قد يساعدنا على التنبؤ بمستقبل الحركة و السيناريوهات التي يمكن توقعها .

وإبتداء لا بد من الإبتعاد عن إستراتيجية النعامة التي تدفن رأسها في الرمال وتعتقد أنها ترى كل شيء والعالم لا يراها.

وثانيا: يجب التأكيد على أن الحركة ليست أشخاصاً، بل مؤسسات وقدرات وإمكانات، والملاحظة الثالثة إرتباط مستقبل الحركة بالرئيس محمود عباس، فهو الجامع الآن لكل خيوط الحركة، وباتت قوة الحركة ترتبط بقوة الرئيس وما يمثله من شرعية تاريخية وسياسية.

أعود الأن لتحليل التطورات والتحولات على مستوى كل بيئة سياسية . أولا البيئة السياسية الداخلية للحركة. وفي هذه البيئة يمكن ملاحظة الكثير من التحولات والتطورات منذ نشوء الحركة حتى اليوم. وقد يصعب التطرق لتاريخ الحركة في هذه المقالة ، لكن يكفي أن نذكر أن الحركة مرت بمراحل تاريخية وسياسية كثيرة، وبمنعطفات كبيرة كادت ان تودي بالحركة لولا توفر عناصر القوة ، وهذا ما سأركز عليه في هذه المقالة.

قوة فتح تركزت أولا في القيادة التاريخية الثورية الشعبية التي تجاوزت الحدود، قيادة فرضت وجودها إقليميا ودوليا، وفي هذا العنصر القيادات كانت جماعية ومتعددة .

والعنصر الثاني القاعدة الشعبية الكبيرة ، وكما يقال أم الجماهير، والعنصر الثالث المؤسساتية الكفاحية ، والعنصر الرابع القوة المالية والدعم العربي الرسمي والشعبي .

والعنصر الخامس إمتلاكها لقوة منظمة التحرير، وهذا عنصر في غاية الأهمية. والعنصر الآخر هو الرؤية الوطنية الجامعة ، وقانون المحبة الذي حكم العلاقات الداخلية للحركة وتواجدها القوى في المخيمات وبين الجاليات في الخارج ويمكن القول أن الحركة كانت ملهمة للوطنية.

هذه العناصر كانت كفيلة بأن تتغلب حركة "فتح" على كل المنعطفات التي واجتهها ، في الأردن ولبنان ، وعلى ظهور بعض الإنشقاقات الداخلية وعلى فراغات القيادة بفعل الإغتيال أو الوفاة.

و بفعل عناصر القوة تم التغلب عليها بسهولة .

ولعل من المحطات التاريخية الهامة التي مرت بها الحركة من مرحلة النشأة والتكوين وهي مرحلة القوة الذاتية داخلياً كما أشرنا وعربياً ودولياً، فنشأت في بيئة سياسية داعمة للأفكار القومية والتحررية العالمية في دول العالم في الإتحاد السوفياتي وأمريكا اللاتينية، ودول العالم الثالث، هذه المرحلة هي مرحلة القوة الصلبة، والمرحلة الثانية من عام 1991 وهي مرحلة التسوية السياسية ، ومؤتمر مدريد ، والتراجع العربي بفعل غزو العراق للكويت وإنغماس الحركة في هذه الحرب مما أفقدها الزخم والتأييد العربي، وبدايات التراجع في مفهوم الأمن القومي العربي.

ثم مرحلة أوسلو وما ترتب عليها من سيطرة البعد السياسي على البعد الكفاحي، وطغيان السلطة بما فيها من إغراءات المنصب والثروة، وتخللتها مرحلة المفاوضات، والإعتراف بإسرائيل من قبل منظمة التحرير وهو إعتراف مباشر من الحركة ، وهذا قد أفقدها بعض الأوراق القوية في يدها، وأفقدها قدراً من المصداقية ، لكن الحركة بقيت قوية متماسكة بفعل قيادتها التاريخية التي مثلها الرئيس عرفات، ومن مرحلة أوسلو إلى مرحلة بناء السلطة وبناء المؤسسات السياسية ، وهنا جاء طغيان الفعل السياسي بكل سلبياته الداخلية والإقليمية والدولية، وهنا بدأ القرار السياسي للحركة يخضع لمتغيرات ومؤثرات غير مسبوقة ، وكانت هذه المؤثرات أكبر من القدرة على التكيف والإستجابة معها. في هذه المرحلة التاريخية التي كان يمكن بناء سلطة سياسية قويه كفاحية مقاومة، نشأت سلطة بيروقراطية إدارية متخمة إبتلعت كل القدرات المالية، وتراجع دور المنظمة لينزوى كثيرا، مفسحاً المجال للسلطة، وتراجع دور الحركة ولو قليلا في بعدها المقاوم الثوري، لتظهر مثالب السلطة ، وزادت الأمور تعقيداً مع تقلص القدرات المالية .

ومع غياب الرئيس عرفات دخلت الحركة مرحلة سياسية جديده أكثر تعقيداً واكثر تطوراً، وهذا ما سيتم تناوله لاحقاً، لكن أبرز ما في هذه المرحلة بداية الإنقسامات والخلافات الداخلية داخل حركة «فتح»، وتراجع كثير من عناصر القوة التي تحدثنا عنها أعلاه، فغاب قانون المحبة ، وتقلصت القدرات المالية ، وتراجع دور القيادة وإنحسارها في شخص الرئيس محمود عباس، وبروز قياده تفتقر لقدر من الكارزمية والشعبية، وبداية ظهور ظاهرة التفرد في القرار، وبداية إنقسامات وخلافات لم تكن معروفة مسبقا.

وهذه حالة طبيعية في تسارع الأحداث والمستجدات في بيئة سياسية كبيئة الحركة، والنظام السياسي الفلسطيني ككل، وللموضوعية والحيادية خلافات وإنقسامات غير معلنة: فتح الضفة وفتح غزة، فتح الداخل وفتح الخارج، وكان أخطرها ما يسمى الآن بالتيار الإصلاحي لحركة «فتح»، وهذا الأخطر والذي يمكن ان يؤدي إلى سيناريو البديل لحركة «فتح»، اليوم هذا الخلاف الذي يحتاج إلى مزيد من التحليل، لم يعد شخصيا بين شخص الرئس وبقية أعضاء اللجنة المركزية كلهم أو قلة تخبئ موقفها مستقبلا، وبين محمد دحلان، وبقية العناصر القياديه. هذا الخلاف، وهنا تكمن الخطورة التي ينبغي التحذير منها، بدأ يتحول لبنية مؤسساتية، وبدأ يتحول لخلاف بنيوي يذكرنا بالإنقسام البنيوي بين حماس وفتح.

هذا التيار لم يعد مجموعة أفراد أو عدد أو رقم، بل تحول الآن لبناء مؤسساتي يوازي بنية الحركة الأم، وبدأ هذا التيار يكتسب عنصر قوة كبيرة مالية، ودعماً عربياً ودولياً.

ولا يمكن تجاهل الطموح الشخصي لقائدة محمد دحلان، وحضوره في العديد من المواقع الشعبية والإقليمية والدولية، فنحن هنا أمام نموذج مختلف للقيادة مقارنة بقيادات سابقة حاولت الإنفصال.

هذه العوامل الداخليه تساهم في تطوي ردوره وبروزه، مع الأخذ بالإعتبار موقف حركة «حماس» ، فحماس ويبدو لي انها تتيح لهذا التيار ان ينمو ويقوى في غزة التي يتخذ منها نواة له.

والأمر الثاني بالنسبة للحركة قد يكون عبر هذا التيار مستقبلا وهو التعامل مع العالم ، حيث ان هذا التيار يتمسك بشرعيته التمثيلية، والآن يعمل على بناء قاعدة شعبية، ويستميل تأييد المخيمات والجاليات في الخارج، ويستميل الكثير من الشخصيات الأكاديمية والفكرية وباتت له وسائله الإعلامية وقنواته الفضائية.

ولا أبعد عن الحقيقة إذا قلت ان هذا التيار بدا يتحول لقوة سياسية ومالية وشعبية كما رأينا في الإحتفال الأخير الذي نظمه التيار في ذكرى الحركة.

لم تعد فتح وحدها هي من يتحكم في مدخلات البيئة السياسية الفلسطينية، بل التحول الخطير يتمثل في أن مدخلات هذه البيئة هي من يتحكم في مكانة فتح ودورها، فلم تعد البيئة السياسية الفلسطينية هي من تتحكم فتح في مخرجاتها بل إن مدخلات هذه البيئة هي من تتحكم في مخرجات الحركة .