محكمة توصف بالعليا تنتصر لجريمة تعذيب الفلسطيني!!

بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

دأبت المحكمة العليا الإسرائيلية على مر الزمن، بحجة أو بأخرى، على إسباغ الشرعية على أبشع جريمة ضد الإنسانية ألا وهي التعذيب إذا ما ارتكبت ضد الفلسطيني، ولم تكف المحكمة وما زالت مصرة على غيّها في قرارها الأخير، وهي المحكمة التي يجب أن تتصف ب" القانونية " على هذا الوصف، رغم أن الحكومة الإسرائيلية " السياسية " ، ادعت زورا وبهتانا المصادقة على ميثاق مناهضة التعذيب، وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لعام 1984 من أجل حظره. بل إن قضاتها أثبتوا أنهم أخطر على حقوق الإنسان الفلسطيني من السياسيين الإسرائيليين، أو قل إنهم متساوون في هذا الخطر الداهم. وبذا يتضح ويتأكد خطورة منزلق المحكمة العليا الإسرائيلية بعد مرور أكثر من خمسة عقود زمنية.

ابتداء، يعتبر التعذيب من أشد وأوقع الخروقات لحق الإنسان في الحياة وأكثرها إيلاما. فهو يقع من شخص سلطوي يملك كل وسائل القوة المادية، تجاه شخص مجرد من كل عناصر القوة المادية ويقع تحت سلطة ورحمة الأول. ورغم اختلال توازن القوى المادية بين الشخصين، إلا أن الأخير لم يفقد قوته المعنوية في مواجهة خصمه السلطوي رغم فداحة الثمن المدفوع. صراع إرادات بين حاجز ومحتجز، بين جان وضحية، بين معتد وصاحب قضية.

الغريب والعجيب أن محكمة تصف نفسها بأنها عليا وليس لها اختصاص خارج الخط الأخضر أي في الضفة والقطاع وفق قانونها المرسوم، وتدعي قهرا وقسرا بحجة الإنسانية البحث والتمحيص من أجل إقرار حق من حقوق الإنسان للفرد الفلسطيني في وجه استبداد وعسف السلطة العسكرية الإسرائيلية المحتلة، ترفض البحث من تلقاء نفسها أو من خلال الدفاع عن مدى إلزام ميثاق منع التعذيب للحكومة الإسرائيلية وأجهزة الأمن فيها.

وما انفكت تلك الهيئة الموسومة بأنها محكمة عليا تبحث عن ذرائع لإجازة التعذيب وبخاصة الفلسطيني. فمرة تلجأ لتقرير " لنداو " وتصفه بضغط جسماني معتدل لتبريره، ومرة إلى اصطلاح القنبلة الموقوتة المتكتكة من أجل تفكيكها لذا لا باس ببعض العنف، ومرة أخرى تصفه بسلوك خاص مقبول لأنه ليس تعذيبا.

كل ذلك من أجل تسويق قبول التعذيب بكل أشكاله وأساليبه ضد الفلسطيني عبر استعمال مفردات مخادعة وتتجنب استعمال مفردة التعذيب ذاتها. وكان الأحرى بهذه المحكمة التي يفترض أنها حامية الحقوق والحريات لو أرادت ورغبت، أن تستعمل مصادقة الحكومة الإسرائيلية على ميثاق منع التعذيب لحظر هذا السلوك مرة واحدة وبشكل نهائي وقطعي لو تصرفت بشكل قانوني ومناصر لحقوق الإنسان. لكن هيهات هيهات لقاض شرب حليب الصهيونية أن يكون عادلا في حقوق الإنسان الفلسطيني!!

الغريب والعجيب ان المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في عام 1972 قد قررت أن أنماطا سلوكية أقل بقسوتها بكثير من الأنماط السلوكية في إسرائيل اعتبرت تعذيبا وحظرت حظرا تاما قبل ما يقارب الخمسة عقود زمنية. فهل يقارن ما يسمى بوضع " الموزة " " والضفدع " وثني الرأس وهزه من هذه الأنماط مع الشبح الشديد التي تطبقه أجهزة الأمن الإسرائيلية، مع وضع كيس على الرأس برائحة كريهة، الشبح، التهديد والعزل، التقريع والإهانة المستمرة وقلة النوم والموسيقى الصاخبة. واعتبرت هذه المحكمة القانون الإيرلندي الذي فرضته بريطانيا الذي تتم بموجبه هذه الأنمطة السلوكية خارقا لحقوق الإنسان وتوقفت منذ ذلك التاريخ إيرلندا عن هذه الممارسات التعذيبية. لكن المحكمة العليا الإسرائيلية رفضت اتباع نهج المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في موضوع التعذيب لأن هذا ليس تعذيبا في عرفهم ودينهم وديدنهم، تماما كما رفضت اتباع نهج محكمة العدل الدولية في قضية الجدار لعام 2004، وكما رفضت فيه المحكمة العليا ذاتها، نهج الفقيه جيرهارد فون جلان في موضوع فرض الضريبة المضافة على الأراضي المحتلة في عام 1977. بل رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية وجود التعذيب كسلوك منتشر في كل أنحاء السجون الإسرائيلية، رغم إصرار المنظمات المدنية الإسرائيلية والدولية مثل هاموكيد وبيتسيليم ويش دين والعفو الدولية وهيومان رايتس ووتش على تواجد التعذيب وانتشاره في السجون الإسرائيلية بشكل واضح وبين. اضف أن لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب في سجال واضح مع الحكومة الإسرائيلية في موضوع التعذيب. وللأسف لم تقم هذه المحكمة بأمر الجهات المختصة بفتح تحقيق واحد تجاه ممارسات الجهات الأمنية التي يشتبه فيها بممارسة التعذيب. وذهبت شكاوى التعذيب وملفات من عذبوا وهي بالمئات، إلى مهب الريح وكان مصيرها الإهمال والنسيان في عرف المحكمة العليا الإسرائيلية.

لقد عرفت المادة الأولى من ميثاق منع التعذيب لعام 1984 بأنه " سلوك ينتج عنه ألم أو عذاب شديد للمعذّب سواء أكان الألم أو العذاب الشديد جسديا أو عقليا نفسيا أو ماديا يلحق عمدا من موظف رسمي أو شخص يتصرف بصفته الرسمية، بقصد الحصول من هذا الشخص، أو شخص ثالث على معلومات أو على اعتراف أو معاقبته على عمل ارتكبه ". ناهيك أن أجهزة الأمن بارعة في التستر على ممارسي التعذيب وإخفاء آثارهم، بل إن المحكمة العليا الإسرائيلية لم تلاحق آثار التعذيب بل تخفي كل ما يتصل بجريمة التعذيب التي تجري في السجون الإسرائيلية وبخاصة أنها تجري تحت أسماء مستعارة وبعيدة عن أعين الرائين وتطمس أدلتها.

لو كانت المحكمة العليا الإسرائيلية صادقة في محاربة التعذيب لقدمت اقتراحا بسن قانون يحظره حظرا تاما كما فعلت المواثيق الدولية وشرائع الدول، تماما كما فعلت بهويات حماس ودفن الجثث ورضوخا للمادة الرابعة من ميثاق منع التعذيب ذاته. لو أرادت تلك المحكمة لألغت قيمة تلك الإعترافات التي انتزعت بالتعذيب انصياعا لحكم المادة الخامسة عشر من الميثاق. لماذا لم تقبل المحكمة العليا الإسرائيلية دعوى تعويض مصطفى ديراني عن أعمال التعذيب التي مارسها ضده " الكابتن جورج " عبر تنكيل جنسي جسدي من الثاني للأول في معرض استجوابه عن الطيار الإسرائيلي المفقود " رون أراد " . حتى هذه رفضتها المحكمة العليا الإسرائيلية حامية كرامة الإنسان وصائنة حقوقه؟!

التعذيب سلوك محظور بشكل مطلق، ولا يمكن قبول أي استثناء منه أو له. ولا يمكن تبريره مهما كانت العلل والأسباب، ولو بدا بعضها معقولة أو مقبولة. وحتى الحرب والظروف الإستثنائية والطوارىء العامة والأوامر العامة من الرؤساء إلى المرؤوسين وأعمال السيادة وأعمال الضرورة لا تجيز هذا العمل الهمجي البربري المسمى تعذيبا. وعلى هذا أجمع المجتمع الدولي لكن إسرائيل في واد والعالم المتحضر في واد آخر. فقيم العسكرة والبطش والقوة والقسوة منتصرة وغالبة في الرأي القانوني القضائي بدل أن تنتصر قيم المحبة والأنسنة والرحمة والتعاطف!!!