من أين جاءت أغلب المصطلحات الإسرائيلية؟

بقلم: أنطوان شلحت

شنّ رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق، إيهود أولمرت، قبل أقل من شهر، هُجومًا حادًّا على سياسة بنيامين نتنياهو وحكومته، بالأساس على خلفية آخر التطوّرات المتعلقة بمعضلة قطاع غزة، اتهمه بأنه يقوم بتضخيم مخاطر وجودية موهومة تهدّد دولة الاحتلال، في مقدمها "الخطر الإيراني"، بغرض صرف النظر عن شبهات الفساد الكثيرة التي تحوم حوله، وتستلزم تنحّيه عن منصبه.

أعادني هذا الهجوم إلى مصطلح "الخطر الوجودي"، وإلى اكتشاف أنه إحدى بنات أفكار أسلاف نتنياهو من الساسة، بمن فيهم المحسوبون على يسار الخريطة السياسية الإسرائيلية، بموجب معايير دولة الاحتلال.

وكان عالم الاجتماع الإسرائيلي الراحل، باروخ كيمرلينغ، أشار، في أكثر من مناسبة، إلى أن التمعن في مصطلحات سياسية إسرائيلية رائجة سرعان ما سيقود إلى الاستنتاج بأنها انبثقت عن اليسار، ومن ثمّة تبنّاها اليمين، ونحا بها منحى آخر. وأشار، على سبيل المثال، إلى أن الخطاب الديموغرافي العنصري انبثق عما يسمّى "اليسار الحمائمي" في الحلبة السياسية الإسرائيلية، من أجل إقناع الجمهور اليهودي والنظام السياسي بضرورة الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967، والتي حولت إسرائيل، واقعيا، إلى دولة ثنائية القومية. ولكن، كما يحدث مرارًا في ديناميكية الخطاب السياسي، جرى توسيع هذا الطرح، ليتحول إلى "ضربة مرتدّة" عندما تبنّى اليمين، وخصوصا اليمين المُتطرف، الطرح ذاته، لكنه استخلص منه استنتاجات مغايرة تمامًا.

وبالعودة إلى مصطلح "الخطر الوجودي"، يمكن في معرض استحضار إحدى أحدث القرائن الدالة على ما ذهبت إليه السطور أعلاه، الإشارة إلى كتابٍ صدر في إسرائيل عام 2005 بعنوان "تقسيم البلد: إسرائيليون يفكرون بالفصل"، من تأليف الصحافي في "هآرتس" سابقًا، آري شافيط، وتضمّن مقابلات مع 33 شخصية من صناع القرار والرأي العام في إسرائيل من شتى ألوان الطيف السياسي الإسرائيلي. ففي المقالة التلخيصية، في خاتمة الكتاب، بعنوان "مشروع تقسيم البلد"، رأى المؤلف أن ما يمكن استنتاجه من المقابلات أن الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني هو "صراع بين شعب مُحتل وشعب مهدّد بالخطر. وهذان الأساسان يجعلان هذا الصراع فريدًا: بين الاحتلال والخطر".

ويضيف: "ليس هناك شعبٌ في العالم يخضع، بشكل متواصل، للاحتلال، مثل الشعب العربي الفلسطيني. كما أنه ليس هناك شعب آخر في العالم يعيش خطرًا وجوديًا مثل الشعب اليهودي الإسرائيلي. مع ذلك، من دون علاج متوازٍ، سواء للاحتلال أو للخطر، لن يتم العثور على حلّ للصراع القاسي بين الجانبين".

ويصل المؤلف إلى بيت القصيد، حين يكتب بأثر رجعي: ليس الاحتلال هو الذي أوجد الخطر، بل الخطر هو الذي أوجد الاحتلال.

وبعد أن يعفي دولة الاحتلال من كل الموبقات التي ارتكبت قبل 1967 يقول: "تحوّلت إسرائيل إلى دولة محتلة، لأنها تعرّضت، في الرابع من يونيو/ حزيران 1967، إلى خطر وجودي مباشر. كما أن استمرار الاحتلال هو ثمرة إحساس إسرائيل بالخطر. صحيحٌ أن هناك أقلية إسرائيلية تتمسّك بأيديولوجيا أرض إسرائيل الكاملة، لكن الأغلبية ليست شريكةً في هذه الأيديولوجيا، فالأغلبية في إسرائيل تسلّم بواقع الاحتلال لأنها تخشى من اليوم التالي. ولذلك، يمكن تحديد أن السبب العميق لاستمرار الاحتلال هو الخطر، فقد جاء الاحتلال إلى العالم بسبب الخطر، ويتواصل الاحتلال جرّاء الخشية من أن إلغاء الاحتلال سيُعيد إحياء الخطر"، على ما يؤكد.

عقب ذلك، يقترح الكتاب "مشروعه للتقسيم"، والذي من "لزومياته" أن يشمل سبعة مبادئ بنيوية، في صلبها تخلّي الفلسطينيين عن حق العودة، والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود دولة قومية يهودية وديمقراطية. وبحرفية ما كتبه، "مهما يكن الظلم التاريخي الذي لحق بالفلسطينيين، لا يمكن مواصلة الركوب عليه. ولا يمكن مواصلة الإدمان على البُخار المسموم المتصاعد منه. يجب على الفلسطينيين أن ينسوا ويتعافوا. أن ينسوا ويبنوا. ولا يتعيّن عليهم العيش ووجوههم نحو الماضي، إنما نحو المستقبل!".

... عن «عرب ٤٨»