احتجاجات «السترات الصفراء» و«فيسبوك»

بقلم: ليونيد بيرشيدسكي

حظي الدور الذي لعبته الشبكات الاجتماعية في انتفاضات الربيع العربي والاحتجاجات الشعبية الروسية في عامي 2011 و2012 على التوالي بالكثير من الزخم على نطاق كبير. غير أن القليل من مثل هذا الحماس يُشاهد الآن في احتجاجات «السترات الصفراء» التي اندلعت مؤخرا في فرنسا. غير أن «فيسبوك»، وسواه من المنصات الالكترونية الاجتماعية، لم يكونوا معنيين لا بالحرية ولا بالديمقراطية في شيء. إذ أن كل ما نجحوا فيه كان مساعدة الناس على إذكاء جذوة الغضب والسخط. ومن خلال تضخيم فحوى الرسائل الموجهة وكذلك تضخيم فقاقيع الرأي العام خاوية المحتوى، تحول الأمر من مجرد زوبعة في فنجان إلى إعصار يعصف بكل مكان.

ويتكرر نفس المشهد في الآونة الراهنة داخل فرنسا، الدولة التي يستحيل وصفها بالاستبدادية، والدولة التي لا تملك الولايات المتحدة من سبب وجيه لإذكاء نيران الثورة بين مواطنيها.

وبدأ الأمر برمته إثر القرار الحكومي الفرنسي بزيادة الضرائب على المحروقات بواقع 6.5 سنت لكل لتر من الديزل، و2.9 سنت لكل لتر من البنزين. وهذا القرار، برغم كل شيء، لا يمكنه أن يثير غضبا شعبيا هائلا كالذي نشهده في فرنسا هذه الأيام. بالنسبة للمواطن الفرنسي الذي يملأ خزانا سعته 50 لترا من الديزل مرة كل أسبوع، فإن الزيادة المقررة تساوي 13 يورو (15 دولارا) من التكاليف الإضافية الشهرية، أي ما (لا) يساوي ثمن وجبتين من الوجبات السريعة في أي متجر فرنسي عادي. غير أن الاحتجاجات، التي اندلعت في منتصف (تشرين الأول) إثر لغو صاخب عبر صفحة من صفحات «فيسبوك» لعازفة الأكورديون الفرنسية جاكلين مورو بشأن السياسات الحكومية المناوئة للسيارات، كانت قد تفشت واستفحلت عبر المنصات الاجتماعية حتى انتهى بها الأمر إلى أسوأ حالة من أعمال الشغب المدنية التي شهدتها فرنسا خلال أكثر من عشر سنوات. وفي عطلة نهاية الأسبوع الماضي، تعرض أكثر من 133 مواطنا للإصابة، بما في ذلك 23 ضابطا من الشرطة الفرنسية في تلك المواجهات.

كل ما هنالك أن بعضا من زعماء الرأي المجهولين قد برزوا فجأة على سطح الأحداث ليقودوا مجموعات المتظاهرين من هنا وهناك الذين تتضخم ثم تتطرف آراؤهم عبر مجموعات فيسبوك المعروفة إعلاميا باسم «السترات الصفراء». وأحد زعماء الرأي المجهولين هناك هو مكسيم نيكول، الشهير باسم فلاي رايدر، وهو مواطن من أصل بريطاني يبلغ من العمر 31 عاما الذي اعتاد أن يُطل علينا بحلقات البث المباشر للاحتجاجات الفرنسية عبر صفحته على فيسبوك. ولقد ظهر على نحو مفاجئ باعتباره أحد أبرز المتحدثين الثمانية باسم حركة «السترات الصفراء» المخولين للتفاوض مع الحكومة الفرنسية.

يقول فريدريك فيللو، الباحث الحالي في جامعة ستانفورد وأستاذ الصحافة السابق في جامعة «سيانس بو» الباريسية : «يتحول المفكرون الذاتيون إلى شخصيات وطنية على نحو مفاجئ، وذلك بفضل المجال المتسع عبر صفحات فيسبوك والدفق المتصل للبث المباشر. والمبادئ التي يتعلق بها أمثال مكسيم نيكول عبارة عن مزيج من المطالب غير المتماسكة عبر بوق وطني فائق الضجيج».

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد وصف بيان «السترات الصفراء» بأنه عبارة عن «خليط من كل شيء ومزيج من اللاشيء». وفي واقع الأمر، كانت المطالب الأصلية – إلغاء الضرائب الأخيرة على المحروقات، وخفض ضرائب القيمة المضافة على المواد الغذائية، وتقليل الغرامات على المخالفات المرورية، وتخفيض أجور المسؤولين المنتخبين، ورفع فعالية الإنفاق الحكومي – قد ضاعت في خضم الدعوات المزيدة بتحسين الخدمات العامة، وحل البرلمان، واستقالة رئيس البلاد. وصار الأمر الآن يتعلق بالسخط الذي بات متدفقا في كافة الاتجاهات من دون ضابط. وكما يصف البروفسور فيللو الأمر بقوله: «أثبت موقع فيسبوك قدرته السمومية الشديدة على العملية الديمقراطية، عبر التضخيم المطلق والتطرف الهائل للسخط الشعبي لدى المواطنين».

ليس هناك شيء ديمقراطي على الإطلاق يتعلق بظهور حفنة من مشرفي مجموعات فيسبوك في صورة المتحدثين الرسميين باسم إحدى الحركات الشعبية. وعلى العكس من الرئيس ماكرون والنواب الفرنسيين، فإن هؤلاء المشرفين غير منتخبين من أحد في البلاد. وفي مقال لصحيفة ليبراسيون الفرنسية قال الكاتب فينسنت غلاد إن التحولات الأخيرة في لوغاريتمات فيسبوك – التي أتاحت الأولوية للمحتوى الذي أنشأته المجموعات على الموقع خلافا لمحتوى الصفحات المنفردة، بما في ذلك المحتوى المعني بمنافذ الإعلام التقليدية – قد وفرت آليات دعم وتعزيز هذه الشخصيات. وظن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة فيسبوك، أنه ينزع بذلك الصفة السياسية عن منصته الالكترونية ويركز على ربط الناس بعضهم ببعض. وليس هذا ما حدث على أية حال.

واستطرد الصحافي غلاد يقول: «إن مشرفي مجموعات فيسبوك، الذين تتزايد صلاحياتهم على نحو مستمر بدعم مباشر من ناحية زوكربيرغ، هم الوسطاء الجدد، الذين يقتاتون وتنتعش أعمالهم على أنقاض النقابات العمالية، أو الجمعيات التجارية، أو الأحزاب السياسية».

وسواء كان الغضب الذي أطلقته زيادة الضرائب الفرنسية الطفيفة على المحروقات حقيقيا أو مفتعلا على نحو جزئي بسبب «غرف الصدى» على فيسبوك، فقد بات الأمر الآن عصياً على الاكتشاف والتحقق من دون أساليب علمية تتسم بالانضباط والدقة. وعلى الرغم من ذلك، فقد حان الوقت للتخلص تماماً من أية أوهام باقية تقول بأن الشبكات الاجتماعية تلعب دورا إيجابيا أو محوريا في تعزيز الديمقراطية أو دعم الحرية.

لا يستطيع المجتمع الحر حظر فيسبوك بين مواطنيه، أو حتى النأي بالذات بعيدا عن وظيفة تعزيز الكراهية، ولكن ينبغي على المجتمع الحر أن يكون على دراية وحذر من المخاطر الشديدة التي يشكلها فيسبوك وغيره من المنصات الاجتماعية.

ولا يمكن لدولة حرة مثل فرنسا أن تلجأ لمثل هذه الأساليب. مما يعني المزيد من الأعباء على الشرطة، واتخاذ القرارات الصارمة من قبل الساسة غير المستعدين للرضوخ لحكم الغوغاء – وذلك حتى يبدأ الشعبويون المدعومون من قبل الشبكات الاجتماعية في الفوز بالانتخابات العامة. ويستلزم تفادي مثل هذه النتيجة المريعة من الناس المزيد من الوعي والإدراك بحقيقة الدور الذي تنفذه هذه المنصات الاجتماعية فعليا، والشروع في الخروج منها والإقلاع عنها زرافات ووحدانا.

بالاتفاق مع «الشرق الأوسط»