في الذكرى السابعة عشرة لاعتقاله.. والدة الأسير عبد الله الوحش تحلم بحريته وعناقه

جنين– "القدس" دوت كوم- علي سمودي- تتمنى السيدة رقية محمد حسين الوحش، والدة الأسير عبد الله الوحش من مخيم جنين في الذكرى السابعة عشرة لاعتقاله، أن يجتمع شمل ابنها البكر عبد الله، مع أسرته قريبًا، لتنعم العائلة بزفافه وحريته، آملة أن يكون هذا العام هو عامه الأخير في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

والدة عبد الله الوحش، وهو قيادي في سرايا القدس، الذراع العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي، تؤكد في حديث لـ"لقدس"، أن الاحتلال لم يتوقف عن استهداف أبنائها منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، فتعرضوا للمطاردة والإصابة والاعتقال، كما استشهدت كريمتها الطالبة بشرى.

وتضيف: "أعيش اليوم أصعب اللحظات، فلا يشعر بالألم سوى صاحبه، لقد حول الاحتلال حياتنا لمعاناة باستمرار اعتقال عبد الله، وعبد الرحمن وقتل ابنتي بدم بارد واستهداف عائلتي، إن 16 عامًا مضت على اعتقال عبد الله، لم تدخل فيها الفرحة منزلنا وحياتنا، فمتى تنتهي أوجاعنا وفرقتنا ونعيش كباقي الناس وأشعر بالفرحة كأم سلبها الاحتلال كل ما تملك وتحب بينما العمر يمضي وأمنيتي الوحيدة عناقهما وزفافهما وتربية أطفالهما".

العشاء الأخير

بمنزلها في مخيم جنين صور أحبة قلبها تزين جدران المنزل، وفي مقدمتها بكرها عبد الله، وحدها الذكريات رغم ألم ووجع الفراق من تصبر الوالدة الستينية رقية والتي لا تفارقها لحظات وصور اللحظات الأخيرة التي اجتمع فيها شملها مع أبنائها على مائدة طعام، قبل الهجوم الشرس الذي شنته إسرائيل على مخيم جنين، وأطلق فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك ارائيل شارون حملة "السور الواقي"، فكان كما تسميه "العشاء الأخير"، الذي جمعها مع ولديها المطلوبين آنذاك عبد الله وعبد الرحمن، وابنتها بشرى قبل استشهادها.

وتؤكد رقية أنها حينها فرحت كثيرًا وهي تطعمهم بيديها وتراهم يعمرون منزلها، الذي لو نطقت جدرانه لبكت حزنًا وتضامنًا معها، كما تشير، وتقول: "سرعان ما شن المحتل الهجوم، وتفرقنا، وما زلت محرومة من الثلاثة، عبد الله، وعبد الرحمن خلف القضبان، وبشرى قتلوها بدم بارد، فمن يحتمل كل هذا الظلم والألم ؟".

عبد الله الوحش في سطور

في عام 1979، بدأت الخطوات الأولى لحياة المواطنة رقية في مخيم جنين، فعائلتها من بلدة عانين، وعندما تزوجت من رفيق دربها اللاجئ المرحوم ناجي برغيش الذي تنحدر عائلته من قرية "هوشة " قضاء حيفا وبعد نكبة عام 1948 انتهت فيها رحلة الشتات لتعيش في المخيم، فعاشت أم عبد الله وساندت زوجها ورزقت بستة أبناء، أكبرهم عبد الله.

تقول رقية: "دوما نتألم ونحزن لأننا نفتقد لأيام الفرح التي حرمنا الاحتلال منها، فلا توجد كلمات تصف فرحتي عندما أنجبت بكري عبد الله، احتفلت كل العائلة والأهل به ووزعنا الحلوى واستبشرنا بولادته خيرًا".

وتضيف: "منذ صغره، تمتع عبد الله بالأخلاق العالية والطيبة والعطاء والحنان، كان شهمًا وشجاعًا وصاحب نخوة، وعندما كان يتلقى تعليمه في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) بمخيم جنين، قرر التضحية بدراسته التي أحبها وأحلامه بالتعليم لمساندة العائلة في ظل الظروف الصعبة التي عشناها خاصة بعد وفاة والده".

طريق النضال

رفض عبد الله طلب والدته بالزواج، واختار بشكل سري طريق النضال والمقاومة، فالتحق بالجناح العسكري لحركة "الجهاد الإسلامي"، ويقول شقيقه الأسير المحرر عزوز: "عندما اندلعت انتفاضة الأقصى، اختار عبد الله طريق المقاومة والجهاد، كان مقاتلًا صلبًا وشرسًا دومًا في مقدمة الصفوف، وعندما أدرج الاحتلال اسم عبد الله وشقيقي عبد الرحمن ضمن قائمة المطلوبين، رفضا الاستسلام وأكملا المشوار".

ويضيف: "اشتدت ملاحقة الاحتلال لهما، وتكررت محاولات اغتيال عبد الله الذي أصبح من قادة سرايا القدس، لكنه رفض التراجع، وشارك مع شقيقي في معركة مخيم جنين لتعيش الوالدة لحظات خوف وقلق في ظل انقطاع أخبارهما".

وتصف أم عبد الله ما جرى، قائلة: "عشنا أيامًا صعبةً وقاسيةً وخطيرةً طوال المجزرة، حتى بالمقارنة بأيام النكسة التي احتلت بها إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة، فتلك كانت ستة أيام أما الاجتياح فكان أكثر وأكبر".

وتضيف: "في أيام النكسة، أغمضنا عينًا وفتحنا عينًا وعدنا لبيوتنا رغم كارثة وصدمة النكسة ونتائجها المروعة، أما بالاجتياح، فكنا نشعر بالدقيقة وكأنها ساعة، وعندما انتهت وجدنا أنفسنا مشردين ولم نعد لبيتنا إلا بعد خمس سنوات".

صور مؤلمة

خلال استعادتها شريط الذكريات، ترتسم على محياها معالم الغضب والسخط، وتقول أم عبد الله: "في كل لحظة، عشنا كوابيس مروعة، خاصة أن عبد الله كان تعرض للإصابة، قبل الاجتياح بيوم، كما أصيب بشظايا في المعركة، ورغم ذلك، رفض الانسحاب وخاض المعركة مع أبطال المقاومة".

وتضيف: "خلال معركة نيسان وعندما كنا نسمع أصوات القصف والصواريخ التي تتفجر في المخيم، كنت أشعر أنها تصيبني مباشرة، وأصرخ خوفًا على المصير المجهول لأبنائي وأهلنا المحاصرين داخل المخيم المعزول على العالم".

أم عبد الله لم تكن تنام أو ترتاح لحظة، لقد عجزت عن السيطرة على نفسها، وكانت تتنقل بقلق من غرفة لأخرى ومن السطح للبوابة، تبحث عن خبر واحد لتطمئن، وفي ظل كثافة القصف المسموع في كل دقيقة، وعمليات الهدم الكبيرة التي تعرض لها المخيم، لم تصدق أم عبد الله، أن أحدًا سيخرج حيا من المخيم، "لكن رب العالمىن حمى أبنائي والمخيم رغم وقوع الشهداء والخسائر المروعة"، توضح أم عبد الله.

لحظات لا تنسى

بعد انسحاب قوات الاحتلال إثر ارتكابها مجزرة مخيم جنين، بدأت فصول مسلسل مرير من العذاب والمعاناة، للوالدة أم عبد الله التي بقي مصير أبناؤها مجهولًا، فكانت لحظة رؤيتهم وخاصة عبد الله بمثابة ولادة له من جديد، فمنذ بدأ الاجتياح لم تراهم، وانقطعت أخبار وأشقاؤه عبد الرحمن وعبد العزيز الذي عاش نفس المعاناة عندما أبلغه أحد ضباط مخابرات الاحتلال أنه استشهد.

ويقول عبد العزيز: "خلال الاجتياح، اعتقلت لمدة يومين، وأبلغني ضابط المخابرات بأنهم قتلوا شقيقي عبد الله، وعشت لعدة أيام أبكي وحزين لفقدان أخي لعدم توفر أي معلومات عنه، وبعد الإفراج عني بدأت عملية البحث عنه في قرى جنين ولم أخبر أحدًا، لكي أتأكد من صحة الخبر" .

أما والدة عبد الله كانت تذرف الدموع، مع اختفاء مصير فلذة كبدها الذي لم يظهر اسمه في قوائم الشهداء والمعتقلين ، وتقول: "بعد أيام من المعاناة والقلق، ظهر عبد الله حيًا في المخيم، وتبين أنه نجا مع مجموعة من المقاتلين بعدما هدمت جرافات الاحتلال المنزل الذي تحصنوا فيه ، فاحتموا تحت الأنقاض لعدة أيام، حتى انسحب الاحتلال، واحتفلنا مع أهالي المخيم عندما خرج عبد الله ورفاقه أبطال المعركة سعيد الطوباسي وزكريا الزبيدي وغيرهم من تحت الأنقاض أحياء".

ملاحقة واعتقال

بعد نيسان 2002، بدأت رحلة معاناة جديدة ومريرة للمواطنة أم عبد الله، مع الاحتلال ومحاولاته المستمرة لاعتقال عبد الله وعبد الرحمن، إضافة لعيشها حالة التشرد من منزل لآخر بسبب مطاردة الاحتلال ولديها، لقد استمرت ملاحقة الاحتلال ونصب الكمائن والتهديدات، وفي 22 نوفمبر \ تشرين ثاني 2002، حاصر الاحتلال عبد الله، فرفض تسليم نفسه وقاومهم، لكنهم تمكنوا من اعتقاله بعد هدم المنزل الذي تحصن فيه، وبعد رحلة تحقيق قاسية، صدر بحقه حكمًا بالسجن 23 عامًا.

أما عبد الرحمن فقد اعتقل في 13 من ديسمبر \ كانون أول 2007، بعملية للقوات الخاصة الإسرائيلية في مخيم جنين، وصدر بحقه حكمًا بالسجن 18 عامًا، وأمضى عبد العزيز شقيق عبد الله داخل سجون الاحتلال لمدة 3 سنوات، وبعدها اعتقل شقيقه عبد القادر لمدة عام.

قتلوها بدم بارد

تبكي بحرقة ووجع، كلما سمعت أم عبد الله اسم كريمتها بشرى، "لقد قتلوها بدم بارد للانتقام وعقابنا، فبعد المجزرة لم يتوقف الاحتلال عن استهداف عائلتنا، وبعد إعادة ترميم وإصلاح منزلنا واستقرارنا به، استشهدت حبية قلبي وعمري بشرى" تقول أم عبد الله.

بعد أقل من شهر على عودتها لمنزلها الذي هدمه الاحتلال، وبينما كانت تبكي الأم حرمانها أبناءها قتل الاحتلال ابنتها بشرى وهي تدرس، وتقول الأم: "لم تكن بشرى مطلوبة أو تشكل خطرًا على الأمن الإسرائيلي، وكانت تستعد لامتحان الثانوية العامة، فاخترق رصاصهم نافذة المنزل، واستشهدت، لقد تحولت حياتي لجحيم، بسبب ظلم وعقاب الاحتلال، وعشت وحيدة بمنزلي محرومة من أبنائي الثلاثة الذين وزعهم الاحتلال على سجونه".

لن تهزمهم السجون

بالنسبة لأم عبد الله لا تختلف الحياة عن واقع السجن، لكنها لن تفقد الأمل، وتقول: "كلنا أسرى مع أبنائنا"، فيما تفخر أم عبد الله ببطولات أبنائها وتضحياتهم، "عبد الله وعبد الرحمن فرسان الحرية ومناضلين أحرار لم ولن يهزمهم الاحتلال والقيد والسجن".

وتقول الوالدة: "رغم الحكم والمعاناة، تابعا تعليمهما ويواصلان صناعة مستقبلهما والتخطيط له ومقاومة الظلم والاحتلال بالتعليم والتمسك بالحرية، لقد قضيت 16 عامًا على بوابات السجون، لكن كلما رأيت شموخ وصمود عبد الله، ترتفع معنوياتي، خاصة عندما يزرع في قلبي الصبر ويقول لي (الصبر يا حجة وأبطالك سوف يحطمون قضبان السجون)".

في كل يوم تجلس أم عبد الله على بوابة المخيم، حيث يقع منزلها، وفي كل لحظة تتوقع أن يكون عبد الله وعبد الرحمن معها، فالأمل بالحرية لا يغادرها، وتقول: "الحرية ستتوج جباه أبنائها أبطال نيسان الذين لن تهزمهم السجون".