بلدة دير استيا القديمة.. تشبث بالقديم لمواجهة الاستيطان

قلقيلية- "القدس" دوت كوم- مصطفى صبري- تتمسك المواطنة فوزية أبو حجلة (60 عامًا) بالسكن في منزلها بالبلدة القديمة من دير استيا بمحافظة سلفيت احترامًا للآباء والأجداد، فقد رفضت فوزية الخروج من بيتها القديم إلى بلدة دير استيا الجديدة.

هذه البيوت القديمة بالنسبة لفوزية ورثتها من الآباء والأجداد، ترممها باستمرار لحمايتها من التشققات والانهيارات، مشيرة إلى اهتمام بلدية دير استيا والجمعيات الأخرى بالمحافظة على تلك البيوت، التي تحتاج لترميم متواصل لحمايتها من الاندثار.

تقول فوزية: "نحن في دير استيا، وخصوصًا الجيل القديم نرفض الهجرة عن البلدة القديمة تحت أي ظرف، فالاحتلال يتربص بنا وقد يدعي أن فيها مقامات دينية ويستولي عليها، كما حدث مع القرى القريبة منا في كفل حارس وفرعتا".

أما المزارع السبعيني جهاد منصور، فيؤكد على الحفاظ على تراث في البلدة القديمة من دير استيا، وعلى الحق في واد قانا الشهير، الذي يخرج إليه كغيره من أهالي دير استيا يوميًا للمحافظة على أراضيهم المزروعة بالحمضيات، ويعودون مساء، للسكن في البلدة القديمة من دير استيا لتبقى قائمة بأبنيتها وأهلها، يؤكد منصور.

في ستينيات القرن الماضي، لم يكن هناك استيطان، وبعد الاحتلال شاهد منصور الاستيطان وهو يزحف باتجاهنا، فأصبحنا بلا أرض، ويقول منصور: "علينا أن نحافظ على الأرض والتاريخ، فأنا أعشق التاريخ، ومنزلي في البلدة القديمة لا يقدر بثمن، أنا أجد في أولادي وأحفادي حبًا للمكان وهذا ما يثلج صدري".

ليس بعيدًا عن وادي قانا الشهير، الواقع شمال الضفة الغربية بين قلقيلية ونابلس، تتربع بلدة دير استيا على كنز تاريخي جوهره المباني القديمة الصامدة أمام أعتى مشروع استيطاني في المنطقة.

وتتميز بلدة دير استيا بالتواصل العمراني والسكاني خاصة في البلدة القديمة منها، وتوجد فيها مناطق تاريخية مهجورة، فالعمارة الإسلامية الموجودةفيه تعود إلى العهد التركي.

ويؤكد مدير دائرة الأثار في سلفيت، منتصر موسى، أن دير استيا صامدة أمام جميع محاولات التهويد في المنطقة، والمباني العامة فيها تم استخدامها لمتطلبات المجتمع المحلي.

وتبلغ مساحة البلدة القديمة في دير استيا نحو 66 دونمًا، لتظهر كصورة تراثية حازت الرقم 5 من أصل 12 مركزًا تاريخيًا حسب التصنيف التاريخي للعاملين في مجال الحفاظ على التراث القديم، يوضح رئيس بلدية دير استيا، سعيد زيدان، الذي يفتخر بالمباني القديمة ومحافظة المؤسسات والأهالي عليها والتي تعود للعهد الإسلامي من المماليك إلى العثمانيين.

ويشدد زيدان على أن تلك المباني تؤكد على عمق المكان التاريخي الذي يثبت زيف وكذب الاحتلال، الذي استولى على التلال القريبة، وأقام كبرى المستوطنات والمناطق الصناعية التي تلوث المكان بمخلفاتها المجهولة.

في دير استيا عمارة قديمة من أزقة وقصور وأحواش ومبانٍ قديمة، وتعد قبلة الباحثين عن العمارة القديمة والتاريخ الذي يسجل قدم وعراقة المكان، ولا تزال تلك المباني القديمة يسكنها أصحابها ولم يتركوها وفاء للآباء والأجداد.

ويشير زيدان إلى أن ذلك هو تأكيد على العراقة والحفاظ على التاريخ الذي نعتز به، ويثبت أحقيتنا بهذا الوطن المهدد بالسلب والتهويد.

ولا تزال البلدة القديمة في دير استيا شاهدة على التاريخ، ومع تقدم العمران إلا أن مواصلة المحافظة على الآثار والمنازل والموجودات التاريخية بقي صامدًا بلا اندثار، كهدية من الأهالي للوطن بأكمله، "فأنا على يقين لأن الاحتلال يخطط لهذه البلدة بعد اكتمال مسلسل التهويد في المحيط"، ينوه زيدان.

من يدخل وادي قانا متجهًا إلى دير استيا يصطدم بالتهويد في المكان، إذ تلف البلدة التاريخية سبع مستوطنات تزحف إلى التاريخ والجغرافيا معًا.

بلدية دير استيا ومن أجل الحفاظ على تلك المباني القديمة، قامت بتأهيل العديد منها، مقابل أن يتم تشيغلها 20 سنة، علاوة على ترميم قصرين في البلدة للاستخدامات العامة.

يوجد في بلدة دير استيا القديمة 17 عائلة تسكن منازلها، إضافة إلى المباني التي تشغلها البلدية كمرافق عامة، ولمعظم عائلات البلدة كعائلة أبو حجلة، والشيخ عبدالله، والخطيب، منازل في البلدة القديمة.

في دير استيا قرية رومانية أسفل البلدة القديمة منها، فالتاريخ الإنساني جميعه موجود في هذه البقعة الجغرافية المهددة بالاستيطان.

ويعد المهندس المعماري ياسر داود بلدة دير استيا مثالًا للحفاظ على التراث، إذ إن الكثير من المناطق انحصرت فيها الأماكن التاريخية بسبب الغزو العمراني لها، بعد منع الاحتلال أصحاب التجمعات السكانية من التوسع في أراضيهم بحجة أنها مصنفة "ج"، فاضطروا إلى إزالة الأبنية القديمة والبناء مكانها.

ويؤكد داود أن بلدة دير استيا لا زالت تحفاظ على الفن التراثي القديم الذي تم ترميمه ليكون معلمًا مهمًا وصامدًا في المنطقة المهددة من قبل الاحتلال.

ووفق داود، فإن المهندسين والباحثين يعتبرون بلدة دير استيا قبلة للجمال والبحث والتعلم من الفن المعماري الموجود فيها، وما تتسجد فيها من معانٍ للهندسة، "لذا لا بد من الحفاظ على هذا المكان كونه مدرسة في تعليم الفن المعماري الهادف للأجيال القادمة، وأن يكون هناك مساق خاص ببلدة دير استيا لتعدد الأشكال المعمارية فيها".