عالما ما بعد الحرب الاولى

بقلم: خيرالله خيرالله

احتفل العالم بمرور مئة عام على انتهاء الحرب العالمية الاولى. وتوج الاحتفال بقمة في باريس بين الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين الباحث الدائم عن مجد ضائع لروسيا، هو ذلك المجد الذي انتهى مع نهاية الاتحاد السوفياتي.

أسست الطريقة التي انتهت بها تلك الحرب، في الحادي عشر من تشرين الثاني 1918، للحرب العالمية الثانية، ذلك ان المانيا شعرت بانّ الشروط التي فرضت عليها وقتذاك في فرساي، قرب باريس، كانت مذلّة. كانت تلك الشروط مذلّة الى حدّ سهّل على هتلر بافكاره النازية الوصول الى السلطة. انتقل هتلر، وكان شخصا عنصريا، بعد وصوله الى السلطة عبر صندوق الاقتراع الى الاعداد للحرب العالمية الثانية. بدورها، انتهت الحرب العالمية الثانية بهزيمة ساحقة لألمانيا. وعرفت المانيا كيف تخرج اخيرا من تلك الهزيمة عندما انصرفت الى إعادة بناء نفسها اقتصاديا تمهيدا لاستعادة وحدتها.

من رحم الحرب العالمية الثانية، ولدت الحرب الباردة. انتهت الحرب الباردة بدورها في اليوم الذي سقط فيه جدار برلين في تشرين الثاني من العام 1989. كان سقوط جدار برلين مقدّمة لاعادة توحيد المانيا بحدود ما بعد الحرب العالمية الثانية. لكنه كان أيضا الخطوة الاولى على طريق انهيار الاتحاد السوفياتي واستعادة دول أوروبا الشرقية استقلالها الواحدة تلو الأخرى بهدوء. كانت يوغوسلافيا الاستثناء الاوروبي الوحيد. ما لبثت الدولة التي صنعها جوزيف بروز تيتو ان تحولت الى دول عدّة ولكن بعد مخاض عسير وحروب داخلية ما لبثت ان وضعت اوزارها شيئا فشيئا في ظل تدخلات خارجية كان ابرزها التدخل الاميركي الذي وضع حدّا للطموحات الصربية. أعادت الولايات المتحدة صربيا الى مصاف الدول الطبيعية التي تعرف حدودها وما عليها عمله من اجل الاهتمام بشعبها ورفاهه اوّلا.

ساعد الاتحاد الاوروبي كثيرا في استيعاب دول أوروبا الشرقية ودول أخرى مثل لاتفيا واستونيا وليتوانيا، في الخروج بسلام وامان من تحت نير الاستعمار السوفياتي. امّن لعدد لا بأس به من هذه الدول موقعا في اطار الاتحاد الاوروبي الذي لا يزال يشكل مظلة امان وحماية للقارة العجوز وذلك على الرغم من الموقف البريطاني الهزلي والقاضي بالانسحاب من الاتحاد الاوروبي لاسباب لا يزال يجهلها معظم الذين شاركوا في استفتاء العام 2016 وصوتوا لمصلحة "بركسيت".

بعد قرن على وقف النار الذي وضع نهاية للحرب العالمية الاولى، صار العالم عالمان. هناك عالم أميركي – أوروبي ينعم بنوع من الاستقرار انضمت اليه دول جنوب شرق آسيا والصين واليابان واوستراليا والدول القريبة منها وحتّى افريقيا في جزء منها... وهناك الشرق الاوسط الذي يمرّ في حال مخاض. لم يخرج الشرق الاوسط بعد من مرحلة ما بعد الحرب العالمية الاولى وما قبلها ومن تداعيات انهيار الإمبراطورية العثمانية. الفارق كبير بين عالمين. عالم أراد ان يستفيد من تجارب مرّ فيها وعالم آخر يرفض ذلك رفضا قاطعا. هل المشكلة في الاستعمار الذي حال دون تحقيق الوحدة العربية والذي وزع المنطقة بين بريطانيا وفرنسا؟ هل كانت هناك وحدة عربية في يوم من الايّام حتّى تقوم هذه الوحدة بمجرد انهيار الدولة العثمانية او تأميم جمال عبد الناصر لقناة السويس في العام 1956 وصدّ مصر للعدوان الثلاثي بفضل الموقف الاميركي؟ كان الرفض الاميركي لهذا العدوان، لاسباب خاصة مرتبطة بفهم ادارة دوايت ايزنهاور لموازين القوى في العالم، وراء انسحاب إسرائيل من سيناء والقوات البريطانية والفرنسية من قناة السويس والمدن المطلة عليها مثل بورسعيد.

من يتمعّن في خريطة العالم في ذكرى مرور مئة عام على انتهاء الحرب العالمية الاولى يتأكد من وجود عالمين. احدهما استقرت دوله في اطار خريطة معيّنة وعالم آخر لا يزال يبحث عن خريطة نهائية للعراق او لسوريا او للبنان الذي أزال "حزب الله" الحدود المعترف دوليا بينه وبين سوريا واستعاض عنها بحدود من نوع آخر تقوم على الارتباط المذهبي. صار الارتباط المذهبي بين النظام في سوريا وما تمثله ميليشيا مذهبية لبنانية اقوى بكثير من الحدود بين بلدين يفترض ان يكون كلّ منهما مستقلّ عن الآخر.

ليست دول المشرق العربي وحدها التي تبحث عن حدود نهائية لها. هناك ثلاث دول حائرة بنفسها تعتقد انها ستكون قادرة على التوسع. تركيا صارت موجودة في شمال سوريا وليس بعيدا اليوم الذي ستعلن فيه انّ كل القيود التي وضعت بعد الحرب العالمية الاولى بموجب المعاهدات الدولية التي توصل اليها المنتصرون في مؤتمر فرساي وغيره من المؤتمرات والاتفاقات التي سبقت الحادي عشر من تشرين الثاني نوفمبر 1918 او تلته لم تعد تقيّدها. ليس سرا ان لتركيا تطلعات في الشمال السوري وفي الموصل وكركوك العراقيتين. لم يعد الوجود العسكري التركي في الشمال السوري وجودا موقتا. تدل كل الوقائع على الارض الى ان هذا الوجود نهائي وان النظام السوري مستعد للقبول به في حال بقاء بشّار الأسد في دمشق وان بشكل صوري كما هي الحال عليه الآن.

اما ايران، فلا تزال تعتقد انّ في استطاعتها عقد صفقة مع "الشيطان الأكبر" و"الشيطان الأصغر" تؤمن لها هيمنة على العراق وسوريا ولبنان. يبدو ان زيارة بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي لمسقط غير بعيدة عن البحث عن مثل هذه الصفقة، خصوصا ان اهل النظام في طهران بدأوا يستوعبون معنى العقوبات الاميركية الجديدة ومدى تأثيرها عليهم. لكن اكثر ما يستوعبه هؤلاء هو قدرة "الشيطان الأصغر" على التأثير في "الشيطان الأكبر"، خصوصا بعدما انتقلت السفارة الاميركية من تلّ ابيب الى القدس من دون ضجة تذكر. باتت ايران تعرف اكثر من ايّ وقت ان مستقبل وجودها في سوريا، وبالتالي في لبنان، مرتبط بإسرائيل واستعدادها لتقديم الضمانات المطلوبة منها، ان عبر سلطنة عُمان او عبر روسيا.

تبقى الدولة الثالثة الحائرة إسرائيل نفسها. ماذا تريد إسرائيل؟ ما هي حدودها؟ هل تستطيع ابتلاع الضفّة الغربية التي زرعت فيها مستوطناتها التي طوقت القدس تطويقا كاملا؟

الواضح انّ إسرائيل تحولت الى لاعب أساسي في المنطقة بعدما استطاع العرب عزلها لفترة طويلة. لم تستطع إسرائيل تحقيق أي اختراق في الدولتين العربيتين اللتين وقعتا معها معاهدتي سلام. لم تخترق مصر كما لم تخترق الأردن. الآن وبسبب الشعور العربي بالخطر الايراني، لم تعد إسرائيل تمثّل عقدة في عدد كبير من الدول العربية.

بعد مئة عام على الحرب العالمية الاولى، لا تزال هناك منطقة في العالم تعيش تداعيات ما بعد تلك الحرب. ليس معروفا مستقبل العراق وليس معروفا مستقبل سوريا في حين يبدو واضحا من الخطاب الأخير لحسن نصرالله الأمين العام لـ"حزب الله" ان مستقبل لبنان على كفّ عفريت. نعم، هناك عالمان. عالم وجد خريطته وعالم آخر ما زال يبحث عن خريطة.