ثمن الحرية وثمن الحروب والفساد

بقلم: الدكتور باسم الطويسي

حسب تقرير منتدى البيئة والتنمية العربي الذي أعلن الاسبوع الماضي في بيروت فإن العالم العربي يحتاج إلى 230 مليار دولار سنويا لتمويل أهداف التنمية المستدامة، بينما هناك عجز يقدر في حده الأدنى بـ 100 مليار دولار سنويا من أجل ضمان التنمية المستدامة، في المقابل خسر العالم العربي نحو 900 مليار دولار بسبب الحروب منذ عام 2011 في الوقت الذي يستنزف نحو 100 مليار دولار أخرى نتيجة الفساد؛ بمعنى أن شعوب المنطقة تدفع نحو ضعفي عجز تمويل التنمية والتحديث في الحروب الإقليمية والداخلية وفي الفساد، في حين أخذت العديد من هذه الدول تشهد انخفاضا حادا في مصادر التمويل العامة والخاصة وأخرى أخذت تفقد أصولها التاريخية الكبيرة .

الأسبوع الماضي أيضا نُشر تقرير منظمة فريدم هاوس الاميركية الذي يرصد حالة الحرية والديمقراطية في العالم ؛ حيث سجل العالم العربي استمرارا في التراجع، لا زال نحو 80 % من سكان العالم العربي لا يتمتعون بالحرية، وهناك أقل من 20 % يعيشون في مجتمعات حرة جزئيا ( تونس، المغرب، لبنان، الأردن و الكويت ) فيما لم تدخل ولا دولة عربية ضمن تصنيف الدول الحرة، في العالم هناك 45 % دول العالم حرة و 30 % حرة جزئيا و25 % غير حرة، للأسف كانت الأوضاع في العالم العربي قبل عشر سنوات أفضل من أوضاعها اليوم .

وبالعودة إلى تقرير منتدى البيئة والتنمية فمن المتوقع أن تزداد الآثار السلبية مع تنامي العجز وتراكمه التي تصل في حلول عام 2030 الى نحو 1.5 ترليون دولار ؛ ماذا يعني ذلك ؟ بشكل أولي سوف يؤرخ للعقدين الأول والثاني من هذا القرن بأنهما الأكثر خسائر وهدرا للمقدرات المادية العربية ربما منذ غزو المغول للمشرق العربي قبل نحو سبعة قرون.

لا يوجد إلى هذا الوقت تقدير موضوعي يشير لحجم الأضرار التي لحقت بالبيئة في العالم العربي، وهناك تقديرات متفاوتة لحجم الدمار والخراب الذي لحق بالبنية التحتية، من المؤكد أن المنطقة تنتظر مرحلة أقسى من تباطؤ الاقتصاد واستمرار تراجع أسعار النفط واستمرار هجرة الثروات، في المجتمعات المحلية يشكل الاضطهاد الاقتصادي المتمثل في غياب العدالة وتواضع الفرص وانتشار البطالة وظلم الأجور وتحديدا ما يواجه الرجال في مجتمعات ذكورية أقسى من الظلم السياسي المباشر على الرغم من عدم القدرة على الفصل بينهما، في هذا الوقت تشير أرقام منظمة العمل الدولية إلى أن المنطقة العربية الساحة الأوسع للبطالة في العالم وتصل أرقام البطالة إلى حدود مفزعة حيث وصلت معدلاتها إلى نحو 25 % ووسط الشباب وصلت إلى 29 % مقارنة مع المعدل العالمي 13.9 %، كما أن الاقتصادات العربية عاجزة عن خلق 60 مليون وظيفة جديدة سيتعين توفيرها بحلول عام 2020 لاستيعاب عدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل.

وحدها المنطقة العربية غائبة عن التحولات التي يشهدها العالم، هذا الغياب لا يشبه الا الموت ليس السياسي وحسب بل هو الموت الحضاري بكل ما معانيه التاريخية، علينا أن نلاحظ ونراجع عشرات المؤشرات التي استقرت خلال عقد مضى، وأبرزها كيف أصبحت المنطقة العربية واحدة من أقل أقاليم العالم مساهمة في الناتج العالمي مقارنة بعدد السكان والمساحة، وهو الإقليم الذي يوجد فيه دول ومجتمعات تعد الأسوأ في العالم وفق مؤشرات التنمية الإنسانية والأسوأ في نوعية الحياة، والأسوأ في النزاهة والأكثر حفاوة بالفساد، وفي المجمل ما يزال الإقليم العربي الثقب الأسود الأكبر في العالم في تقييد الحريات وانتشار الاستبداد السياسي، وأيضا في هذا الجزء من العالم أسوأ الأماكن لحياة النساء والأطفال، ولا يفوتنا الإشارة إلى أن أكبر كتلة من الشباب في العالم تعاني الأمرين من الفقر والبطالة وغياب الأفق والأمل تحيا وتموت في هذا الجزء من العالم.