د. إياد العزة لـ"القدس": الاكتئاب والصدمات العاطفية والتوحد من أكثر الأمراض النفسية انتشارا

رام الله- "القدس" دوت كوم- إسلام كمال - الاكتئاب والتوحّد والصدمات العاطفية والنفسية، من أكثر الأمراض النفسية شيوعًا في المجتمع الفلسطيني، معظمها مسكوت عنه، أو غير ملاحظة بشكل جيّد رغم خطورتها، سواء على الصغار أو الشبّان، ويلجأ كثيرون لطرق علاج التفافيّة، غالبًا ما تؤدي لنتائج عكسية.

يقول مدير مركز حلحول للصحة النفسية شمال الخليل، الدكتور إياد العزة، أخصائي الطب النفسي في حوار مع "القدس" دوت كوم: "إن أكثر المشاكل النفسية التي يتعامل معها المركز تدور حول ثلاثة محاور رئيسة، تتمثل بالمشاكل السلوكية والعاطفية، والعلاقات الاجتماعية، والصراعات النفسية، وهي تنقسم إلى قسمين: إما أن يكون لدى الطفل أو المراهق مشكلة جسدية، أو حادثة جسدية تؤثر على نفسيّته أو العكس بأن تكون هناك مشكلة نفسية تؤثر على الجسد وتخرج عن طريق تعبيرات الجسد.

وحسب العزة فإن الاكتئاب يمكن أن يبدأ من عمر 6 أشهر لدى الطفل، ولا يكون التعبير عنه إلا عن طريق البكاء، وهو ما يستدعي من الأهل أن يكونوا على وعي جيّد بأسباب كثرة بكاء أطفالهم، مشيرًا إلى أسباب تقف وراء الاكتئاب الذي قد يصاب به الأشخاص منذ الطفولة، ويمكن أن تستمر آثاره حتى عمر طويل، وهناك العديد من المراكز في العالم مهتمة بالشأن النفسي للطفل منذ البدايات حيث تتم مراقبة الأم وآثار تعاملها مع طفلها، وطريقة حملها لطفلها وكيفية إطعامه، وتواصله مع محيطه، وخاصة ذويه، وكل ذلك يؤثر على صحته النفسيّة.

ويوضح العزة (نظرية الارتباط الآمن) التي قال بها العالم "بولبي"، حيث تتشكل حالة الارتباط في أول سنتين من حياة الطفل، ومن خلال علاقته مع أمه وشعوره بالأمان والحب تتشكل نظرته للعالم الخارجي، حيث أن الكثير من مشاكل البالغين يمكن تأصيلها من خلال طفولتهم تلك؛ فالتربية تبدأ حتى من زمن ما قبل الولادة من خلال تفكير وشعور الأم بجنينها، وتستمر علاقة الأم بطفلها فيما يلي الولادة، حيث أن مرض"اكتئاب ما بعد الولادة" الذي يصيب الأمهات يؤثر بشكل مباشر على نفسية الطفل إذا لم تتلق الأم العلاج، حيث لا يأخذ الطفل بسبب هذا المرض حقّه في التواصل الصحيح مع أمّه المريضة، وبالتالي علاقته مع الآخر ستكون بحالة جمود وتراجع ونقوص في تكوّن نفسية قويمة لهذا الطفل.

ويرى العزة أنّ الاكتئاب يظهر عند الأطفال على شكل حالات مرافقة لاضطرابات سلوكية أخرى كالتوحد، أو الحركة الزائدة أو اضطرابات الأكل، وقلة التواصل.

مرض التوحّد، هو الآخر من أكثر الأمراض النفسية شيوعًا في المجتمع الفلسطيني، ويمكن الانتباه لعلامات هذا المرض في الأشهر الأولى من حياة الطفل، تحديدًا من الشهر السادس أو السابع وفق ما يقول العزة، لكنّه يشير إلى أنّ التشخيص الصحيح لا يمكن أن يتم قبل عمر سنة وثمانية أشهر، وبالطبع يبقى هذا التشخيص عُرضة للتشكيك إلى حين أن يبلغ عمر الطفل عامين أو عامين ونصف.

ويشير العزة إلى عاملين أساسيين يمكن من خلالهما تشخيص مرض التوحد، وهما صعوبة وضعف في التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى الحركات النمطية اللإرادية المتكررة للطفل، أي وجود صعوبة في النمو الطبيعي مقارنة بالأطفال من حوله، لافتا إلى أن لبعض يقع في لبس أثناء التشخيص ما بين الطفل المتوحد أو الطفل الذي يعاني من عجز في قدراته العقلية.

ومن الأمثلة أيضًا على الأمراض النفسية، مرض ثنائي القطب، وعنه يقول العزة، أنه واحد من الاضطربات المزاجية التي يحدث فيها اختلاف حاد في المزاج حيث يصبح الشخص كئيبًا بشكل مفاجئ أو سعيدًا جدًا بشكل مفاجئ، وأغلب حالاته تبدأ في مرحلة الشباب ما عدا نسبة قليلة في مرحلة الطفولة من عمر 9 أعوام.

أما أبرز أعراض هذا المرض، فهو انعدام التوازن في الحالة المزاجية للشخص، مع ما يرافقه من "هلوسات" سمعية وبصرية، مع بعض القدرات الخارقة التي يدعيها الشخص عن نفسه، فيما يعرف بالهوس الذهاني كذلك، وعلاجه يكون كيميائيًا ونفسيًا عن طريق الجلسات وتوجيه الأهل، وفقًا للعزة، الذي أشار إلى أنّ أسباب هذا المرض قد تكون وراثية أو مكتسبة عن طريق الضغط النفسي، وطرق التعامل مع الفرد في مرحلة طفولته.

وينصح العزة بعدم اللجوء إلى الأدوية في معالجة الأطفال في الأعمار المبكرة، وإنما عن طريق العلاجات والجلسات النفسية إن كان الطفل قادرًا على التواصل، وفي حال كان في عمر مبكرة جدًا، فإن العلاج يتم من خلال الأم والأب، بإعطاء إرشادات في طرق التربية الصحيحة والتعامل مع مشكلة الطفل، ذلك أن علاقة الطفل المباشرة وغير المباشرة مع بيئته المحيطة وخاصة ذويه، أمر أساسيّ في العلاج.

ويشير العزة الذي يدير مركز حلحول للصحة النفسية للأطفال والمراهقين، إلى أنّ فكرة زيارة العيادة النفسية ما زالت مخيفة لدى شرائح واسعة في المجتمع الفلسطيني، وتشكل وصمة في الوعي الجمعي العام، لكنّه يقول إنّ الأطفال في الأعمار المبكرة (يوم - 9 أعوام) باتوا يجدون اهتمامًا أكبر هذه الأيام، لافتًا إلى أنّ ذلك يتم تحت غطاء مرض جسدي كالتأتأة أو الحركة الزائدة.

ويقول إنّه حين يتم تشخيص حالة الطفل أو المريض، تتبيّن لنا العديد من المشاكل النفسية التي تحتاج للرعاية، ويتم ذلك من خلال متابعة الأهالي والتقارير المدرسية والبيئة الخارجية للوصول للتشخيص الصحيح للحالة.

أمّا الفئة العمرية من سنّ 9 أعوام إلى 18، فأعداد المراجعين فيها أقلّ عادة، ويُرجع العزة ذلك لعدّة عوامل، أبرزها مقاومة الأهل لتقديم طفلهم للعلاج النفسي، ومقاومة المراهق نفسه لفكرة العلاج، فمن المعلوم أنّ العناد والتحدي والرفض هي أبرز صفات المراهق، وبالطبع "فكرة الوصمة الاجتماعية"، فهذه الأعمار مثلًا يكون أصحابها الأقرب لسنّ الزواج، خاصة من الفتيات، وهذا يخلق لدى بعض فئات المجتمع ردّ فعل عنيف تجاه فكرة مراجعة الشابة للعيادة النفسية.

بعض العائلات تفضّل زيارة "الشيوخ" والمشعوذين والاستعانة بغير المختصين، ظنّا منهم أنّ الحل هناك يكون أقل تكلفة، على المستوى الاجتماعي تحديدًا، يقول العزة، ويضيف: لكنّ ذلك يسبب ضررًا أكبر على حالة الشخص.

ويشير العزة إلى أنّه فيما يخص التكلفة المادية، لا يوجد هناك عراقيل مادية تمنع الأهالي من زيارة المركز، فالعلاج في كل من التشخيص والجلسات النفسية يقدّم بالمجان، وأسعار الدواء تكون رمزية جدًا.

وتأسس مركز حلحول للصحة النفسية للأطفال والمراهقين عام 2009 في حلحول قضاء الخليل، بجهود وزارة الصحة والوكالة الفرنسية للتنمية، وبرنامج الأمم المتحدة. ويقول القائمون عليه إنّه المركز الوحيد من نوعه في الضفة الغربية، الذي يقدّم خدمات حكومية للأطفال والمراهقين وذويهم.

ويضيف أنّهم لا يتعاملون فقط مع الأطفال والمراهقين، بل يمتد عملهم للأقارب والأهل والمدرسة، ووزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة التربية والتعليم والجهات القضائية ومراكز حماية الأطفال، وأنه لديهم الآن أكثر من 4 آلاف ملف حيوي وفعّال.

ويرى العزة أنّ بُعد المركز عن المحافظات الأخرى، قد يكون هو العائق الاقتصادي لدى البعض، إضافة إلى العائق المعرفيّ المتمثّل بعدم دراية كثير من الأسر الفلسطينية بوجود هكذا مركز للرعاية الصحية، ومن أجل ذلك يجري العمل على تضييق الفجوة بين الطب النفسيّ وبين الطب العام في فلسطين، عن طريق عمل دورات تدريبية وتثقيفية للكوادر الطبية في مختلف محافظات الضفة في دور الرعاية الأولية ليتم تحويل الحالة النفسية مباشرة والتعرف عليها بشكل صحيح قبل حدوث مضاعفات.

ويلفت العزة إلى خطورة طريقة معالجة مشكلات مثل المخدرات والعنف الجسدي أو اللفظي لدى الفتيات، وكذلك الإساءة الجنسية، بالإهمال أو الصمت والخوف والخجل، فذلك يؤدي لاستمرار المشكلة وتضخمها، ما ينعكس حياة الشخص وتصرّفاته.

التغاضي عن حل مشكلات مثل النماذج أعلاه، ينعكس في التفكير بإمكانيّة الإقدام على الانتحار وإنهاء الشخص لحياته، مثلما يقول العزة، الذي يؤكد أنّ المؤشرات الخطيرة لهذه الظاهرة ليست بمعزل عن الأمراض النفسية والاكتئاب والصراعات النفسية والمجتمعية وضغوطات الاحتلال.