الموت بالمجان والحياة الثمينة

بقلم:أنس أبوسعدة

فُجع العالم العربي والأردن على وجه الخصوص قبل أيام قليلة بحادثة فَطرت قلوب الكثيرين وأدمعت لها كل العيون التي رأت في حادثة البحر الميت التي كان ضحيتها أطفال بعمر الورود كارثة كبيرة بكل معنى الكلمة. هذه الكارثة التي يمكن وصفها بالطبيعية وإن كان للعنصر البشري ومن قرر القيام بالرحلة المدرسية في ظروف جوية صعبة كتلك التي تسببت في هذه الكارثة دور يعود للجهات المختصة تقييمه، إلا أنها وبكل المقاييس هزت ضمير الإنسانية ودعت كل الأطراف العربية والدولية لتقديم العزاء لذويهم وللمملكة الأردنية وللشعب الأردني ككل على هذه الفاجعة.

لكن هذه الفاجعة وبرغم كبرها والحزن العميق الذي خلفته والذي سوف يلازم أهله وأصحابه طوال أعمارهم إلا أنها تظل قضاء الله وقدره المكتوب لا مفر منه ولا مهرب. وحتى لو خلصت نتائج التحقيق أن للعنصر البشري دور فيه إلا أن الجميع في النهاية سوف يستسلم لهذا القضاء ولذلك القدر لأنه وبالتأكيد لا أحد كان يسعى لهذا الموت ولا خطط له.

في المقابل، ولمن يتابع الأخبار العالمية سواء في فلسطين المحتلة وخاصة في قطاع غزة والضفة الغربية حتى لو لم يكن عربياً أو فلسطينياً على وجه التحديد يصل إلى قناعة تامة أن هناك وخاصة على حدود غزة من يصنع الموت المجاني لأبرياء هم بشر عاديون من دم ولحم ومن قبل بشر مثلهم يدّعون أن لهم الحق في هذا القتل وهذا الموت المجاني لصناعة الحياة الثمينة لأبنائهم. المصيبة هو أن هؤلاء يتباهون بهذا القتل لإنسان مثلهم بغض النظر عن ديانته أو عرقه أو أصوله ويعتبرونه تحقيقاً لإنجاز كبير..!! هم لم يسألوا ضحيتهم وليس لديهم أهتمام أن يسألوا أو يعرفوا أي تفاصيل عنه أو لماذا يقدم روحه وحياته وكل ما يملك لأجل أن يكون هدفاً سهلاً لهذا المعتدي. لا يعرف أيضاً أنه بقتله لهذا الإنسان قد قتل الناس جميعاً وطعن الإنسانية في الظهر دون أدنى تردد أو ندم..!

في ساحات آخرى كما في العراق وسوريا واليمن وقبل أيام قليلة في مصر ينتشر الموت المجاني والذي راح ضحيته ملايين الضحايا الأبرياء أحياناً كثيرة باسم الدين وأحياناً أيضاً كثيرة باسم محاربة الإرهاب والتطرف. الطرفان اللذان يرتكبان جريمة هذا القتل يدعيان أنهما يصنعان الحياة الثمينة للشعوب أو للعالم مقابل قتلهما لهؤلاء الضحايا وكلاهما يجدان المبررات الكثيرة لذلك. النتيجة هي إستمرار النزيف الإنساني وفقدان أكثر وأكثر من هؤلاء الضحايا بأقل ثمن ودون مراجعة أو محاسبة أو محاولة لوقف هذا النزيف الدامي في العديد من دول عالمنا العربي.

القتل المجاني هذا ليس مقتصراً على دولنا العربية فحسب بل هو ظاهرة أصبحت منتشرة وبشكل واضح في كل دول العالم. فذاقت منه في أوروبا فرنسا وبلجيكا والمانيا وبريطانيا وأسبانيا وغيرها من الدول الأوروبية. ولم تسلم الولايات المتحدة الأمريكية من هذا القتل ولو بشكل أقل وأضيق. القتل الذي أقصده في هذه الدول لم يكن مقتصراً على طرف أو عرق أو دين معين بل طال المسجد والكنيسة والكنس، وكذلك طال الأسواق والشوارع المزدحمة وحتى المسارح والمطاعم ودور السينما. هذا دليل واضح أن الجاني لا دين له ولا ديدن ولا يؤمن بمبدأ سوى حبه ورغبته الجامحة للقتل الذي

هو قتل مجاني. ليس قتلاً لهذه الضحية أو تلك بل هو قتل للإنسانية جمعاء سواء كان هذا القاتل هو الاحتلال على حدود غزة أو في الضفة الغربية أو في أي طرف في العراق أو اليمن أو في الولايات المتحدة فهو قاتل جبان وعنصري ليس لديه أي شعور بالإنسانية أو الآدامية وعلى المجتمع كله الوقوف عند هذه الظاهرة التي لو استمرت وبهذا النهج وهذا التسارع فعلى الإنسانية السلام.

القتل ومهما كانت مبرراته من إنسان لإنسان آخر مع سابق إصرار وترصد هو حالة غريبة ومرضية لأي كان ومهما كان مسماه. كان فرداً مسؤولاً عن أفعاله أو مؤسسة أو حتى دولة، وعلى المجتمع الدولي إذا كان معنياً بإستمرار الحياة التي هي ثمينة لكل البشر وليست رخيصة عند بعضهم وثمينة عند بعضهم الآخر. لا يمكن أن تحاول بكل الطرق وبمتعة كبيرة أن تصنع" الموت المجاني" لأناس بحجة أنك تحاول أن تصنع الحياة لأناس آخرين.

هؤلاء الذين يعيشون هذه الحالة المرضية يجب أن يوقفهم المجتمع الدولي بكل ما أوتي من قوة وأن يسميهم بأسمائهم وصفاتهم وهي أنهم مجرمون في حق الإنسان والإنسانية وأن مكانهم هي المحاكم الدولية والعقاب الذي يستحقون.