سؤالان يمنيان

بقلم: خيرالله خيرالله

من الواضح ان هناك رغبة أميركية، وان من زاوية إنسانية، في انهاء الحرب الدائرة في اليمن. الدليل على ذلك كلام وزير الدفاع جيمس ماتيس ووزير الخارجية مايك بومبيو عن ضرورة وقف القتال ودعمهما لمبعوث الأمين العام للامم المتحدة مارتن غريفيث في جهوده السلمية. يسعى غريفيث الى عقد جولة حوار بين اليمنين في غضون شهر، أي في نهاية تشرين الثاني الجاري او مطلع كانون الاوّل المقبل. بات مرجحا انعقاد هذه الجولة في استوكهولم التي رحبّت بمجيء اليمنيين اليها.

نجحت الولايات المتحدة بالتنسيق مع بريطانيا في تجميد الوضع في الحديدة ومحيطها. لعبتا دورا في وقف المعارك التي استهدفت استعادة "الشرعية" ومن يدعمها الميناء الاستراتيجي الذي كان سيعني سقوطه ضربة قويّة للحوثيين (انصار الله). لم تعد استعادة الحديدة مضمونة بعدما فقد الهجوم عليها زخمه وعنصر المفاجأة وذلك قبل اشهر عدّة اثر التدخلات الاميركية والبريطانية التي صبّت في مصلحة الحوثيين.

في الواقع، ركّز الحوثيون، ومن خلفهم ايران، على الدفاع عن الحديدة. يعرفون تماما معنى خسارة الميناء ذي الاهمّية الاستراتيجية امام التحالف العربي الذي استطاع، بفضل "عاصفة الحزم" استيعاب المشروع الايراني في اليمن ووضع حدّ لطموحاته. حصل ذلك بعد استعادة عدن والمكلا ثمّ ميناء المخا الذي يتحكّم بمضيق باب المندب أي بالملاحة في البحر الأحمر وصولا الى قناة السويس. اغلاق باب المندب كان سيغلق قناة السويس.

لا يمكن الّا دعم أي جهود تستهدف وقف الحرب في اليمن، خصوصا اذا اخذنا في الاعتبار المأساة الانسانية في افقر البلدان العربية. تؤكد الأرقام التي وزعتها المنظمات الدولية ان الجوع والمرض يهددان الملايين. كان الخوف في السنوات القليلة الماضية من صوملة اليمن. صار الخوف الآن من حدوث العكس، أي من تحول الصومال الى يمن آخر!

قبل الخوض في ما اذا في الإمكان وقف الحرب في اليمن نتيجة حوار يدور في استوكهولم او غير استوكهولم، يظل مفيدا العودة قليلا الى خلف في محاولة لمعرفة ما الذي ادّى الى وصول اليمن الى ما وصل اليه. لم يعد سرّا ان محاولة انقلابية يقف وراءها الاخوان المسلمون جرت في العام 2011 تحت غطاء "الربيع العربي". يتبيّن اليوم ان رموز تلك الحركة الانقلابية كانوا مدعومين من قوى إقليمية، من بينها تركيا، ارادت التخلّص من علي عبدالله صالح ونظامه الذي دخل في مرحلة معيّنة حالا من الترهّل مرتبطة الى حدّ كبير بالرجل نفسه وطريقة ادارته لشؤون الدولة، فضلا بالطبع عن مزاجيته الزائدة. كانت حسابات الاخوان المسلمين، الذين كان لديهم حزب كبير هو "التجمع اليمني للإصلاح"، الاستيلاء تقوم على تولّي السلطة. خططوا لذلك عبر تظاهرات عمّت شوارع صنعاء والمدن اليمنية الأخرى في ظلّ انقسام في الجيش قاده علي محسن صالح الأحمر، نائب الرئيس الحالي، الذي كان على رأس ما يسمّى في اليمن "الفرقة الاولى/ مدرّع".

كانت حصيلة كلّ الاحداث التي توالت منذ شباط 2011 صعود الحوثيين وصولا الى سيطرتهم الكاملة على صنعاء ابتداء من الواحد والعشرين من أيلول 2014 أي منذ ما يزيد على اربع سنوات. كانت هناك محطات كثيرة يمكن التوقف عندها في تلك المرحلة بدءا بمحاولة الاخوان المسلمين التخلص جسديا من علي عبدالله صالح في حزيران – تموز 2011. فُجّر وقتذاك مسجد النهدين الذي كان في حرم دار الرئاسة التي كان الرئيس السابق يمضي فيها معظم وقته. احترق جسد علي عبدالله صالح. لكنّه بقي حيّا. هناك من دون شك محطة أخرى مهمة تتمثل في قبول الرئيس السابق المبادرة الخليجية وتسليمه السلطة الى نائبه عبد ربّه منصور هادي في شباط 2012. تحوّل عبد ربّه الى رئيس انتقالي ما لبث ان صار رئيسا يطمح الى البقاء في منصبه مدى الحياة.

يكفي عرض سريع للاحداث للتأكد من انّ ايران عرفت كيف تستفيد من التواطؤ غير المباشر بين الحوثيين والاخوان المسلمين. صبّ هذا التواطؤ في نهاية المطاف في مصلحة الجمود السائد في الوقت الراهن. استغلّ الحوثيون هذا الجمود، الذي يظلّ افضل تعبير عنه الوضع في تعز، من اجل تنفيذ حكم بالاعدام في حق علي عبدالله صالح قبل احد عشر شهرا.

كان لا بدّ من هذا العرض الموجز للاحداث من اجل بلوغ المرحلة الراهنة التي تفرض طرح سؤالين لا ثالث لهما. الاوّل من سيشارك في اجتماع استوكهولم في حال انعقاده؟ هل يمكن لاي حوار يمني - يمني تحقيق نتائج على الارض في ظلّ ظلّ موازين القوى القائمة وبقاء الحوثيين في الحديدة؟

قبل كلّ شيء، يمكن القول من الآن ان أي حوار يمني يقتصر على "انصار الله" من جهة و"الشرعية" ممثلة بعبد ربّه منصور هادي من جهة أخرى لا افق له. سيكون حوارا عقيما بين طرف يسعى الى تكريس امارة حوثية على جزء من الأرض اليمنية وبين "شرعية" لا وجود حقيقيا لها على الأرض الّا بفضل التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية. حتّى لو جاءت الحكومة كلّها، بما في ذلك رئيسيها معين عبد الملك، الى عدن ومارس الوزراء صلاحياتهم من عاصمة الجنوب اليمني، لن يعني ذلك شيئا. لا بدّ من إعادة تشكيل "الشرعية". هل لدى المبعوث الاممي الوقت الكافي لعملية من هذا النوع تعيد الاعتبار الى قوى لها وزنها في الشمال اليمني، من بينها قوى قبلية وما بقي من "المؤتمر الشعبي العام" وأخرى في الجنوب تطالب بالاستقلال؟

الأخطر من ذلك كلّه ان الحوثيين لن يقبلوا، في ظل موازين القوى القائمة، تقديم أي تنازل من أي نوع من اجل الوصول الى صيغة جديدة لليمن ترتكز على دولة لامركزية الى ابعد حدود، الّا في اطار يخدم مصالحهم. يشمل التنازل بالطبع تفكيك الامارة الحوثية حيث لا مكان لايّ تنوّع او ارتباط بما هو حضاري في العالم. بكلام أوضح هل تريد الولايات المتحدة، في ظلّ الوضع الراهن السماح لإيران بان تكون لها قاعدتها في جزء من ارض اليمن... ام ان الرهان الاميركي على ان ايران لن تعود قادرة على التصرّف كما يحلو لها في اليمن وغير اليمن بعد فرض العقوبات الجديدة عليها ابتداء من الرابع من تشرين الثاني الجاري؟

ثمّة حاجة الى بعض الصبر لمعرفة هل يمتلك مارتن غريفيث، الذي ينفّذ سياسة أميركية وبريطانية، رؤية لصيغة مستقبلية لليمن، ام سيغرق كما حصل مع سلفيه جمال بنعمر وإسماعيل ولد الشيخ احمد في المستنقع اليمني؟ الأكيد ان من الضروري وضع حدّ للمأساة الانسانية في اليمن. لكنّ الأكيد أيضا ان القدرة على ذلك مرتبطة بعوامل كثيرة في مقدّمها وضع حدّ للمشروع التوسعي الإيراني الذي تمدّد في اتجاه اليمن والذي دعمه الأميركيون والبريطانيون من حيث يدرون او لا يدرون عندما جعلوا الوضع في الحديدة يراوح مكانه منذ أشهر عدّة.