السياسة الأمريكية تهدد استقرار اتفاقيات السلام

بقلم: اللواء محمد عبد المقصود

أدت السياسة الأميركية المنحازة لإسرائيل تجاه قضيتي القدس واللاجئين إلى تهديد استقرار اتفاقيات السلام الموقعة بين الجانبين العربي والإسرائيلي، حيث شجعت الحكومة اليمينية المتطرفة في اسرائيل على الغاء حل الدولتين، وهو ما عبر عنه بنيامين نتانياهو في المؤتمر العام للمنظمات اليهودية في أميركا الشمالية الذي عُقد الأربعاء الماضي في تل أبيب بأن: الحل الأفضل للنزاع مع الفلسطينيين، هو منحهم حكماً ذاتيا، دون أن يتمكنوا من تهديد أمن إسرائيل.

في حين تتزايد المخاوف من تداعيات الإعلان المرتقب لمشروع صفقة القرن، الأمر الذي دفع القيادة الفلسطينية للوقوف في وجه مسئولي الادارة الاميركية ورفض رعايتهم للسلام، وتحكمهم بها كوسيط وحيد في عملية السلام، مطالبة بعقد مؤتمر دولي وفق قواعد القانون الدولي والشرعية الدولية، مع الدعوة لعقد اجتماع للمجلس المركزي الفلسطيني يوم 28/10/2018 لتحديد سبل الرد على القرارات الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة المتعلقة بالقدس واللاجئين ومنظمة التحرير الفلسطينية، حيث يعد المجلس المركزي أكبر هيئة تشريعية منبثقة عن المجلس الوطني الفلسطيني (يتكون من أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ورئيس المجلس الوطني، وممثلين عن فصائل حركة المقاومة والاتحادات الشعبية والكفاءات الفلسطينية المستقلة)، في ظل تنامي المطالب بتعليق اعتراف المنظمة بإسرائيل لحين اعتراف الأخيرة بالدولة الفلسطينية، مع البدء في تحديد العلاقات الأمنية والاقتصادية والسياسية مع إسرائيل، تنفيذاً لقرارات المجلس الثوري لحركة فتح، مع مطالبة مجلس الأمن بتوفير حماية دولية للفلسطينيين، خاصة بعد تقديمها طلباً الى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في جرائم حرب ارتكبها قادة إسرائيليون ضد الفلسطينيين، خلال ثلاث حروب شنتها إسرائيل على قطاع غزة بين عامي 2008 و2014.

وقد عكست السياسات الامريكية والاسرائيلية تداعياتها على استقرار الأوضاع الأردنية، ارتباطا بمساعي واشنطن لتجريد اللاجئين من حق العودة وتوطين معظمهم في الاردن، مع نزع صفة اللاجئ وحصرها فقط بالعدد القليل من الفلسطينيين الذين هاجروا عام 1948، مع التلويح بإمكانية تحويل المخصّصات الأميركية التي كانت تقدم إلى الأونروا للأردن مقابل أن يتكفل بتوطين اللاجئين، الأمر الذي رفضه الملك عبدالله الثاني تحسباً من تداعياته على الاستقرار الداخلي للمملكة، لاسيما وأن هذه الخطوة من شأنها تأجيج الوضع داخل أوساط نحو مليوني لاجىء فلسطيني يقيمون في المملكة، ويشكلون عبئا اقتصاديا إضافيا على الموازنة العامة للدولة، في الوقت نفسه الذي تعمدت فيه الحكومة الاسرائيلية تصعيد استفزازها للمملكة الأردنية، سواء بتجاهل دورها في الإشراف على الحرم القدسي الشريف، رغم وجود تعهدات واضحة في اتفاق السلام تمنحه مكانة خاصة في موضوع القدس والحرم، فضلاً عن إهمال مشروع قناة البحرين، وإعادة إحياء أفكار الكونفيدرالية، والوطن البديل كسبل لتسوية القضية الفلسطينية.

وقد جاء قرار ملك الأردن يوم 21/10/2018 بوقف العمل بملحق معاهدة السلام الاسرائيلية / الأردنية الموقعة في 26/10/1994 بشأن تأجير أراضي الباقورة والغمر ( نهرايم ، وتسوفار)، حيث استند القرار الأردني إلى أن إنهاء اتفاق استئجار الأراضي لا يعد خرقا لمعاهدة السلام، بل هو جزء من الحقوق التي يمنحها الاتفاق شريطة إبلاغ أحد الطرفين بعدم رغبته في تجديده قبل عام من انتهائه، ومن حق الدولتين البدء حاليا بمفاوضات من أجل عقد اتفاق جديد بشروط جديدة، وبتقديرنا فإن إثارة الأزمة بصورة علنية أفاد النظام الأردني، ومنحه رصيدًا كبيرًا على المستوى الداخلي، إلا أن المعالجات الحقيقية ستتم في جلسات مغلقة بعيدًا عن الإعلام وستستغرق وقتًا طويلاً وستتشكل لها الكثير من اللجان.وقد يلجأ الأردن للتحكيم الدولي في حالة مماطلة وإخلال الجانب الإسرائيلي في إنفاذ إنهاء الاتفاق، خاصة وأن عمان لا تستطيع التراجع عن قرارها مهما تواجه من ضغوط خارجية، فالكلفة الشعبية على النظام السياسي لا يمكن تحملها بأي حال من الأحوال، الأمر الذي يتوقع معه أن تبدي إسرائيل احترامها لقرار الأردن وتسوق لذلك بالإعلام بأنه قانوني، لكن ذلك لا يعني أنها ستتخلى عن الباقورة والغمر بهذه السهولة ومن المؤكد أنها ستحاول بشتى الوسائل تمديد تأجيرهما وستبحث عن الفرصة المناسبة لذلك.

وقد لجأت إسرائيل إلى تلك الصيغة بعد رفض المستوطنين إخلاء هاتين المنطقتين أو الاستغناء عنهما، فعرضت على الأردن وضعها تحت نظام خاص لمدة 25 سنة يمنح المستوطنين حق التصرف بالأرض واستخدامها دون قيد، وقد بذلت واشنطن مساعي دبلوماسية لتفادي اتخاذ الملك لهذا القرار، في حين جاء رد نتانياهو بأن إسرائيل ستشرع في مشاورات مع الأردن لفرض تمديد فترة الاستئجار، الأمر الذي وصفته قوى المعارضة داخل إسرائيل بمثابة فشل لسياسة إسرائيل الخارجية التي يقودها نتانياهو، حيث تسببت سياسة نتانياهو في القضاء على إحدى طرق تسوية الخلافات، فتأجير الأراضي لا ينطوي على أهمية اقتصادية بقدر قيمته كسبيل لحل الخلافات وتجاوزها، وشق طريق لاقتراحات بديلة يمكن نمذجتها على الساحة الفلسطينية والسورية لاحقًا، ومن ثم فإن قرار ملك الأردن يأتي خصما من رصيد بنيامين نتانياهو على المستوى الداخلي، في ظل إمكانية إجراء انتخابات مبكرة للكنيست، ومن ثم تأثر مكانته الداخلية بمعارضة كل من الفلسطينيين والأردنيين للسياسات التي ينتهجها بالمناطق المحتلة. وبالنظر إلى قرب إعلان الإدارة الأمريكية عن مبادرتها للتسوية، والمعروفة إعلامياً بـصفقة القرن وسيطرة حالة من الترقب لما ستؤول إليه جهود التسوية السياسية في ظل رفض القيادة الفلسطينية التعامل معها، وحرص كل من روسيا وفرنسا على تقدير التأثيرات المحتملة للتطورات الراهنة على مناخ الاستقرار الإقليمي، خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من مقايضة بالملفات والأزمات لتحقيق مصالح القوى الكبرى على حساب الجانب العربي من ناحية، وانشغال معظم الدول العربية بما فيها السعودية بمشكلاتها الداخلية من ناحية أخرى، فإن الأمل معقود على تعاون مصر والأردن في الدفاع عن القضية الفلسطينية لتفادي تحميلهما أعباء التسوية في إطار الحل الإقليمي كبديل لحل الدولتين، وبدء عملية سياسية جديدة تكون مرجعيتها القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة التي تضمن الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية.