ملف اغتيال خاشقجي يزداد هيمنة على الإعلام الاميركي

واشنطن- "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات- دون توقف، يتصاعد طغيان ملف اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، الكاتب في صحيفة واشنطن بوست، على الفضاء الإعلامي الأميركي المكتوب والمرئي، حيث لا تمر ساعة دون تسليط الضوء على تطورات عملية الاغتيال التي وقعت في الثاني من الشهر الجاري، وذلك عبر سلسلة لا تنقطع من الأخبار العاجلة، خاصة وأن الدولة والإعلام التركي الذي يعرفون تفاصيل ما حدث، يسربون هذه المعلومات قطرة قطرة، وقد تصل ذروتها عند إلقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام حزبه غدا الثلاثاء 23/10/2018 كما وعد.

ويلاحظ أن صحيفتي واشنطن بوست ونيويورك تايمز، وهما الصحيفتان الأكثر أهمية وأثرا في الولايات المتحدة، قد قررتا منذ اللحظة الأولى إعطاء موضوع اغتيال خاشقجي المروع اهتماما لا ينقطع، مرده وفق كثير من المحللين، ممارسة الضغط على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لفرض عقوبات قوية ومؤلمة ضد المملكة العربية السعودية في حال ثبوت ضلوع العائلة السعودية المالكة أو أي من أفرادها في التخطيط لهذه الجريمة البشعة ووضع الجناة أمام العدالة.

كما ويلاحظ تركيز كبير من قبل الخبراء على تفنيد نظرية أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان "رجل مصلح يعمل على جلب بلاده الثرية إلى القرن الواحد والعشرين" حيث كتب روبرت كاغان، أحد زملاء خاشقجي في كتابة الأراء في صحيفة واشنطن بوست (وهو واحد من كبار الباحثين في معهد بروكينغز المرموق في واشنطن) مقالاً في الصحيفة الاثنين، 21/10/2018، تحت عنوان "أسطورة الطاغية المصلح"، استهله قائلاً، إنه لدى الكثير من الأميركيين انبهار غريب بفكرة الطاغية المصلح، أو الحاكم المستبد الذي يمكنه "تحديث" وقيادة بلده بعيداً عن ماضيه المتخلف والرجعي.

ويشرح كاغان "كان هذا هو ما أمل الأميركيين أن يحققه ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، وهو أمل تلاشى الآن إلى حد ما، نتيجة عملية الاغتيال التي يبدو أنه أمر بتنفيذها بحق الصحافي المساهم في واشنطن بوست، جمال خاشقجي، في تركيا"حيث "رأى الأميركيون المتعاطفون (مع السعودية) في الأمير محمد شخصية تسعى لإصلاح الاقتصاد السعودي والتوفيق بين الإسلام والحداثة، وأيدوه في هذا المسعى، حتى وإن كان يتطلب المزيد من السيطرة الدكتاتورية، وسجن ليس فقط أمراء من العائلة المالكة ولكن أيضاً نشطاء حقوق المرأة، وشخصيات دينية معتدلة، وحتى الاقتصاديين الشباب الذين يطرحون أسئلة حول التقديرات المشكوك فيها الواردة في برنامجه الإصلاحي /رؤية 2030/، فلا يمكن إصلاح ذلك المجتمع التقليدي المتجهم إلا عن طريق ثورة على أعلى المستويات" بحسب رأيه.

ويوضح الكاتب أن هذه الفكرة ليست بجديدة، فخلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، "رأى الأميركيون أن بينيتو موسوليني، وجوزيف ستالين، وحتى أدولف هتلر، هم ما تحتاج إليه بلدانهم في تلك الفترات، كما رأوا خلال الحرب الباردة، ذلك في الزعيم الفلبيني فرديناند ماركوس، وشاه إيران محمد رضا بهلوي، وزعيم كوريا الجنوبية بارك تشونغ-هي، وزعيم تشيلي أوغستو بينوشيه، وهم الديكتاتوريين /المحدثين/ المفضّلين بالنسبة للولايات المتحدة".

واضاف "في حقبة ما بعد الحرب الباردة، حازت الديكتاتورية الصينية على إعجاب العديد من الأمريكيين بتعاملها السلس مع اقتصاد البلاد، ولكن بمرور الوقت، تبين أن الأنظمة الاستبدادية لا تقوم بمهمة أفضل في تحقيق النمو الاقتصادي، وأن النمو الاقتصادي ليس سر الوصول إلى الديمقراطية، فقد مضى الآن نحو ربع قرن على التوقعات القائلة بأن النمو الاقتصادي الصيني، الذي أوجد طبقة وسطى كبيرة، سيؤدي حتماً إلى مزيد من الانفتاح السياسي، ومع ذلك، يسير الأمر في الاتجاه المعاكس، مع تركيز الحاكم الصيني شي جين بينغ لكل السلطة في يديه وتطبيق الحكومة لطرق أكثر شمولية للسيطرة السياسية والاجتماعية" بحسب الكاتب.

وقال "ما اتضح أن الطاغية المصلح، مخلوق نادر حقاً؛ فلا يميل الطغاة إلى إرساء الأسس التي يمكن أن تؤدي إلى زوالهم، مثل إنشاء المؤسسات السياسية المستقلة أو تعزيز سيادة القانون أو تمكين مجتمع مدني نابض بالحياة. ويسعون، بدلاً من ذلك، إلى تدمير المؤسسات وقوى المعارضة التي قد تشكل في يوم من الأيام تحدياً لحكمهم الاستبدادي. ومع ذلك، يؤيد الأميركيون مثل هؤلاء الطغاة لأسباب متنوعة، إذ يفترض العديد من الأميركيين أن بعض الأشخاص ليسوا مستعدين للديمقراطية، أو أن تقاليدهم الدينية أو التاريخية لا تُعدِّهم للديمقراطية".

ويستفيض الكاتب شارحا "هناك سبب آخر ينبع من عدم الرضا عن الديمقراطية الأميركية الفوضوية؛ فهناك توق ملموس للطاغية الذي يستطيع تجاوز كل الهراءات السياسية وأن ينجز ما هو مطلوب، ثم هناك الخوف مما قد تنتجه الديمقراطية في أي مكان آخر، وبطبيعة الحال، فهناك سبب يتعلق بالمصالح الإستراتيجية. فقد أرادت الولايات المتحدة حلفاء ضد الاتحاد السوفيتي في الماضي، وتريد اليوم حلفاء ضد إيران، ولكن ما اكتشفته خلال الحرب الباردة، وربما تكتشفه مرة أخرى اليوم، هو أن هؤلاء الحلفاء المفترضين قد لا يوفرون الحصون التي كانت الولايات المتحدة تحلم بها، فقد تؤدي أساليبهم في التعامل مع خصومهم إلى خلق معارضة أكثر راديكالية وجعل الثورة أكثر احتمالاً، وليس أقل".

ويشير الكاتب بهذا الصدد الى الحالة المصرية والسعودية كمثال ويقول "في كل من مصر والمملكة العربية السعودية، قد تكتشف الولايات المتحدة في نهاية المطاف أن دعم الطغاة في هذين البلدين سيقود إلى النتيجة التي كانت تأمل في تجنبها، وعندها ستقع الأسلحة التي كانت تتوسلهم لشرائها منها في أيدي المتطرفين الذين كان من المفترض أن ينقذوا الولايات المتحدة منهم".

ويختتم الكاتب المقال بالإشارة إلى أن أنصار ولي العهد السعودي الأمريكيين يتساءلون اليوم، كيف أمكنه التصرف على هذا النحو من الحماقة والأمر بقتل خاشقجي؟ لكن من هم الحمقى هنا؟ فالطغاة يفعلون ما يفعله الطغاة، ولكن الأمريكيين هم الذين يعيشون في عالم خيالي من صنع أيديهم قد يعود في النهاية بضرر كبير عليهم".

بدورها نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" افتتاحيتها الرئيسية الاثنين (21/10/2018) تحت عنوان "رواية الأمير السعودي الخرافية"، استهلتها قائلة إن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو ليس ما إذا كان التفسير الأخير الذي قدمه السعوديون لمقتل جمال خاشقجي جدير بالثقة، وإنما هو من يظنون أنه سينخدع به، ففي عالم ولي العهد محمد بن سلمان الاستبدادي، لا يهم ما يظنه عامة الناس؛ فما يهم هو ما إذا كانت التضحية بالقتلة الذين يستعين بهم كافية لإرضاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب".

وتسلط الصحيفة الضوء على أن "ترامب كان متلهفاً لإيجاد طريقة ما للتشبث برفيق روحه الأمير محمد وصفقات الأسلحة السعودية المربحة من اليوم الأول له في المكتب البيضاوي (في البيت الأبيض)، ويبدو أنه تنفس الصعداء بعد القصة التي أصدرها السعوديون بعد أكثر من أسبوعين من الأكاذيب والإنكارات، فقد قال ترامب مساء الجمعة (19/10) إن التفسير السعودي هو /خطوة أولى جيدة/ و/خطوة كبيرة/، وأعرب عن ثقته في مصداقية هذا التفسير".

وتضيف الافتتاحية، "لكن لا يوجد كثيرون يشاركونه (ترامب) هذا الموقف؛ فقد رُفضت القصة السعودية على نطاق واسع على أنها محاولة مثيرة للشفقة للاعتراف بما أصبح أمراً لا يمكن إنكاره –وهو أن فريقاً من 15 عميلاً سعودياً سافروا إلى إسطنبول في اليوم الذي كان يُتوقع فيه وجود جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية، حيث قتلوه، كما أنها محاولة لتعفي الأمير محمد، صاحب السلطة الحقيقية في المملكة العربية السعودية، من أي مسؤولية، فوفق هذه الرواية، صدر أمر عام باعتقال المنشقين المقيمين في الخارج، لكن جرى تشويهه بطريقة ما، ولذلك عندما علم السعوديون بخطط خاشقجي، أرسل نائب مدير الاستخبارات اللواء أحمد العسيري فريقاً لاعتقاله".

وتشرح الافتتاحية "بحسب هذه النسخة من الرواية، قاوم خاشقجي معتقليه وقُتل خلال ذلك، وسُلمت الجثة إلى متآمر محلي للتخلص منها، ربما من خلال تقطيعها ووضعها في حقائب سفر، كما جرى اعتقال الـ15 عميلاً، بالإضافة إلى سائق وموظفين قنصليين –أي أن جميع الشهود تقريباً باستثناء القنصل العام، الذي عاد إلى المملكة العربية السعودية ولم يُسمع عنه منذ ذلك الحين- بينما أُقيل العسيري والمساعد المقرب من ولي العهد، سعود القحطاني، وعدد قليل من مسؤولي الاستخبارات الآخرين، وبذلك، يكون قد تم الاعتراف بوقوع الجريمة ومعاقبة الجناة، وتبرئة ساحة ولي العهد، وإرضاء ترامب" بحسب الصحيفة.

وتضيف الصحيفة في افتتاحيتها وتقول "غير أن أحد الأمور التي يصعب تصديقها بشأن هذه الرواية، هي أن يقاوم الصحافي البالغ من العمر 60 عاماً معتقليه بشدة، لدرجة تتسبب في مقتله، كما أنها لا تفسر سبب اصطحاب أحد العملاء الذين أُرسلوا إلى إسطنبول لمنشار عظام معه، ولا سبب زعم الأتراك أن لديهم أدلة على أن خاشقجي تعرض للتعذيب وقُطعت أوصاله. ولا تفسر الرواية أيضاً لماذا استغرق الأمر السعوديين أكثر من أسبوعين للاعتراف حتى بأن خاشقجي قد قُتل؛ ولا لماذا اُعتبر خاشقجي تهديداً كبيراً لدرجة أن جهاز الأمن السعودي حاول خطفه، حتى لو لم يكن بهدف قتله؟.. ولكن الشيء الوحيد الذي تحث هذه الرواية الجميع على تصديقه هو أن الأمير محمد، الإصلاحي الذي سمح للنساء بقيادة السيارة، لم يكن ليسمح أبداً بمثل هذا العنف، على الرغم من سجنه العديد من أبناء أعمامه وخطفه لرئيس وزراء لبنان، وشنه لحرب كارثية في اليمن، وقطعه للعلاقات مع كندا بسبب تغريدة ناقدة، واعتقاله للنقاد".

وترى الصحيفة أنه "لكي تحافظ القيادة الأميركية في العالم على مصداقيتها، فانه يجب على الرئيس ترامب أن يطالب بإجراء تحقيق مدعوم من الأمم المتحدة من قبل مسؤولين محترمين ومستقلين، ويجب عليه أن يطلب من تركيا تقديم تسجيلاتها والأدلة الأخرى، كما يجب أن يعلق مبيعات الأسلحة للسعودية ويطلب من أعضاء حلف شمال الأطلسي أن يفعلوا نفس الشيء، وأن يشير إلى أعضاء العائلة المالكة السعودية بأنه يعتقد بأن محمد بن سلمان أصبح عنصراً مفسدا (في العائلة) ، وأخيراً، يجب على ترامب أن يضمن إعادة رفات الصحافي السعودي النزيه، الذي قُتل بصورة همجية لمجرد تحدثه بالحقيقة للسلطة السعودية، إلى أسرته".