عودة الأحزاب العربية إلى الكنيست، كأنَّ شيئًا لم يكُن!

بقلم: عوض عبد الفتاح

عادت الأحزاب العربية، باستثناء حزب التجمع الذي علّق مشاركته، إلى مقاعد الكنيست الوثيرة، مع افتتاح الدورة الشتوية، أمس الأول، ضاربةً بعرض الحائط كل النداءات التي صدرت عن قطاعات واسعة من الناس، وأوساط المثقفين والأكاديميين، الذين طالبوا بمقاطعة الجلسات، ولو لفترة محددة، تعبيرًا عن رفض "قانون القومية" الاستعماري.

وهذا السلوك الغريب وغير السياسيّ، يُثير الدهشة، وأحيانا الريبة، في تلك الأوساط، التي في غالبها صوَّتت للمشتركة. ويُثير التساؤُل عند الكثيرين من أحرار العالم، من أصدقاء الشعب الفلسطيني، وأنصار الحرية والمساواة، والمُناهضين للعنصرية والاستعمار.

ولا يبدو أن تلك الأحزاب تُقيم وزنًا للقواعد الشعبية أو لصوت المثقف، سوى في فترة الانتخابات، أو حتى لأحرار العالم الذين يتبنون في الكثير من الأحيان مواقف متقدمةً، وقيمًا أخلاقية كونية غير مبتورة أو منقوصة. يأتي ذلك كله وكأنه استمرارٌ طبيعي لفضيحة التقاعُس والإهمال في التصدي للقانون، في الفترة الطويلة التي كان يجري فيها الإعداد له في أروقة حكم الأبارتهايد، والفشل في تحريك المجتمع الفلسطيني برمته في حملة شعبية قوية ومستمرة، تقضُّ مضاجع أقطاب الحُكم، الذين باتوا سافرين في ممارستهم الاستعمارية.

وبهذه العودة العادية والسلسة، تتكرَّسُ حالةُ اللافعل والجمود، والعُقم الفكري والعملي، وتُؤكد لنظام الأبرتهايد عجزنا، وتؤكدُ أننا أدمَنَّا القعود في أروقة الكنيست، وهي رسالة خطيرة نعاني من تبعاتها يوميا، وتتمثّلُ في منح الشعور للمستعمر بأنه بإمكانه مواصلة القمع والملاحقة، والحصار والنهب، واعتقال المناضلين.

تُواصل أوساط مركزية في القائمة المشتركة الهمس، وليس سرًّا، بأن التجمع الوطني الديمقراطي، يُلحق ضررا بالقائمة بسبب مواقفه، بل إنّه عبءٌ عليها. وهذا الهمس، وحتى التصرُّف، (مثل سرقة مقعده، ومخصصاته لأشهر عديدة من قِبَل طرفيْن) يأتي بتأثير الحملة الصهيونية الشعواء ضد التجمع الذي تراهُ المؤسسة أكثر الأحزاب تطرُّفًا، وفي وقتٍ سابق دارت حوارات بين ممثلي أحزاب يمينية صهيونية حاكمة، وبين المعارضة، مثل "يش عتيد"، حول ضرورة العمل على فصل التجمع عن المشتركة.

لا شكَّ في أن نتنياهو وائتلافه يُناهضون المشتركة ككل، كفكرة عربية جامعة. ولكنهم بلا شك، سيكونون أقل انزعاجًا عندما يكون التجمع خارج المشتركة.

إنّ الاتصالات التي يُجريها شخوص من داخل المشتركة مع الدوائر المقربة من نتنياهو، لمساندته في تخفيض نسبة الحسم، كما كانت في السابق، ليست نابعة من حرصٍ على الديمقراطية، ولا حرصٍ على مصلحة العمل الجماعي، الذي أُريد من المشتركة أن تُجسده عند تأسيسها، بل من منطلقات فئوية وحزبية، وشخصية أيضا، تهدف للعودة إلى خوض الانتخابات لوحدها أو في تحالف ثنائي. هؤلاء الشخوص يشعرون بأن فرضَ القائمة المشتركة كطريقة لتوحيد الجهود ضد المؤسسة الصهيونية، والتأسيس للعمل المشترك، كان اغتصابًا لهم، وتفويتَ الفرصة عليهم لتحقيق نزواتهم النرجسية، التي لا علاقة لها بالسياسة، ولا بفكرة التصرف كشعب.

هناك أيضا من دأب منذ انتهاء الانتخابات عام 2015، إلى جرّ الفكرة التي وقفوا ضدها إلى متاهات التحالف مع اليسار الصهيوني، وتفريغ القائمة المشتركة من الفكرة الأساسية التي تأسست عليها.

ليس التجمع معفيا من المسؤوليّة، عما وصلت إليه المشتركة، من هبوط في الخطاب السياسي، وفِي العلاقات الداخلية، واختزال العمل السياسي أو اللاسياسي في أعضاء الكنيست، ناهيكَ عن التنافُس الشخصي الذي كرّست حوله إذاعة "ريشت بيت"، نصف ساعة من أحد برامجها، فهو (التنافُس الشخصي) يواجه نقدا داخليا، إذ كان يجبُ عليه أن يكون أكثر حزما في مواجهة هذا الهبوط المأساوي، في السلوك والخطاب، كما ساهم التنافُس الشخصي في تهميش دور لجنة المتابعة أيضا، وتكريس ضعفها وعجزها عن قيادة الجماهير، وإعادة الناس إلى ساحة الفعل السياسي. إن من يتحمل المسؤولية الرئيسيّة عن هذا الوضع هو غالبية مركبات المُشتركة، وهي تبدو وكأنها باتت في حلفٍ واحد ضد التجمع.

ولا شكَّ في أن مهمة الخروج من المأزق الوطني العام، باتت أكثر صعوبة، ولو تم الأخذ بخطاب وبإستراتيجية البناء الذاتي، وتشييد المؤسسات القومية التمثيلية، والمالية، والثقافية، التي طُرحت في أواخر التسعينيات، وطُورت على شكل وثائق مفصلة، عام 2006، لما كانت حالتنا على هذا النحو. من جهة تسارعت التحولات في السياسات الإسرائيلية، بنية وخطابا، نحو اليمين واليمين الأكثر تطرُّفًا، ومناهضة الوجود العربي الفلسطيني، ومن جهة أخرى، بقيت بُنيةُ مؤسساتنا التمثيلية على حالها، أما الخطاب السياسي فهو في حالة هبوط متواصلة.

يُغذي هذه الأزمة، والشعور بالحاجة إلى الحذر والتأني عند البعض، وُيسوّغ السلوك الانهزامي عند البعض الآخر، وجودُ حالة فلسطينية كارثية، ووضع عربي رسمي غارق في أسفل القاع. والنظام الإسرائيلي المدرك لهذه الحالة العربية والفلسطينية، يعمل ليلَ نهار من أجل ابتزاز القيادات العربية، عبر فتح منافذ اقتصادية، ليست إنتاجية بطبيعة الحال، وعبر اعتماد المزيد من القمع وإرهاب الناس، تُجسّد معًا، سياسة العصا والجزرة، الاستعمارية التقليدية.

ليس هذا مبررا إطلاقا، للسكون والتذلُّل، بل حافزا على إعمال الفكر، والتحلي بالجرأة، وبأقصى الأخلاق الوطنية والسياسية. ليست الخيارات أمامنا معدومة، بل موجودة وحاضرة، في الناس والمثقفين وطلائع الشباب، وأهم هذه الخيارات هو العودة إلى استئناف عملية البناء المؤسسيّ، وتفعيل السياسة القادرة على التغيير الحقيقي، برؤيةٍ وطنية شاملة.

هذا تحدٍ كبير أمام مجتمعنا، ولكنه سيكون تحديا أكثر صعوبة أمام التيار القومي الديمقراطي. وسيكون مُطالَبًا باستعادة تميُّزه، بخصوص مسألة استمرار المشاركة في انتخابات الكنيست، وفِي مسألة مأسَسَة و تنظيم الجماهير الفلسطينية قومياً، فضلاً عن العلاقة المطلوبة مع المشروع الوطني الفلسطيني التحرريّ، وأقصدُ العلاقة الفعلية وليست النظرية فحسب.

.... عن " عرب ٤٨"