رئيس بلدية جاهل لم يقرأ وثائقه الإسرائيلية!!!

بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

قام المدعو نير بركات بإطلاق تصريحات نارية تجاه وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، ضمن حملة التحريض العالمية الأمريكية ضد الحق الفلسطيني في العودة، وضد اللاجئين الفلسطينيين، وضد وجود وتمويل الأونروا. ولو كلف بركات نفسه عناء المطالعة، أو سأل أحد أساتذة القانون الدولي العام، لما بدا بهذا الجهل المغرق الذي لا يقع به مبتدأ في علم السياسة، لكنه عمى القلب والعينين والتحريض وركوب الموجة.

يقول نير بركات في مرثاته وكأنه كوشنير، أنه سيفكك وسيطرد وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( الأونروا )، ولم ينس أن يتهمها بالتحريض على الإرهاب، وخذلان المتعاونين معها وكأنه وصي عليها. واستكمالا لهذه السياسة الخرقاء قرر أنه سيستولي على مدارسها وإغلاقها ومنشآتها وأدواتها، بل وصل به الأمر إلى حد التهديد بالإستيلاء على مخيم شعفاط وأراضيه. وكال الإتهامات لجميع القائمين على الأونروا ولسياساتها، وهدد وتوعد ثم ما لبث ان صمت صمتا مطبقا.

تمنيت ان تتصدى وسائل الإعلام على اختلاف لغاتها إلى بيان الأونروا الذي احتوى نقاطا قانونية على قدر كبير من الأهمية، وتبرز له حيزا محترما وتفصيليا في التصدي لهذا الحديث الجاهلي لرئيس بلدية يجري وراء أصوات يهودية يمينية متطرفة، وإبرازه في المحطات الفضائية ، وأن لا تكتفي بإبراز قول الأونروا بأنها ستستمر بتقديم الخدمات على أهميته، وتهمل بقية البيان الذي هو أساس عمل الأونروا.

ورد في بيان الأونروا أنها تدير عملياتها الإنسانية في توافق مع ميثاق الأمم المتحدة، والإتفاقات الثنائية المتعددة الأطراف التي لا تزال سارية، وقرارات الجمعية ذات العلاقة. وأجزم ان كثيرا ممن قرؤا البيان لم يعطوا أهمية كبيرة لهذين السطرين الهامين بل الجوهريين في عمل الأونروا في القدس والضفة والقطاع.

لقد أراد بيان الأونروا أن يقول ويوضح لكل من يجهل تاريخ إنشائها، أن من أنشأ وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين هي الجمعية العامة للأمم المتحدة عبر القرار رقم 302 الصادر في 8/12/1949 وأنها بدأت العمل في الأول من شهر أيار 1950. واستندت الجمعية العامة للأمم المتحدة في إنشائها الأونروا على المادتين السابعة والثانية والعشرين من ميثاق الأمم المتحدة لرعاية شئون اللاجئين الفلسطينيين. وما زالت تعمل في كل من الأردن وسوريا ولبنان والقطاع والضفة والقدس ضمن اتفاقيات مع الدول المضيفة.

ويبدو ان نير بركات يجهل جهلا مطبقا، أن إسرائيل وقعت في 14/ حزيران /1967 مع الأونروا اتفاقية تسمح لها بالعمل في القدس والضفة والقطاع. وتم تسجيل هذه الإتفاقية في سجل المعاهدات في 31/1/1968. ووقع عليها كل من لورانس مايكل مور الأمين العام للأونروا والسفير مايكل كوماي بالنيابة عن الدولة الإسرائيلية.

ببساطة أن هذه الإتفاقية ليست عملا منفردا أو تصريحا من قبل الدولة الإسرائيلية قد تستطيع الرجوع عنه متى تشاء. لكنها ببساطة اتفاقية أي معاهدة ملزمة لكلا الطرفين وفق قانون فينا للمعاهدات الدولية لعام 1969. ولا يمكن الإحتجاج بالقول أن المعاهدة اتفاقية بين دولتين فقط، بل يمتد إلى اتفاقية بين دولة ومنظمة دولية لها كالأونروا التي لها شخصيتها القانونية كذلك. ومن نافل القول ان هذه المعاهدة ملزمة لكلا الطرفين، ولا يستطيع ان يأتي نير بركات ولا بنيامين نتنياهوأو غيرهما ويلغي هذه الإتفاقية بجرة قلم كما يتخيل البعض نتيجة للغطرسة الإسرائيلية الجامحة.

اضف أن إسرائيل ملتزمة ومقيدة بميثاق أو معاهدة حصانات وامتيازات موظفي الأمم المتحدة لعام 1946 تماما كالتزامها وتقيدها بميثاق حصانات وامتيازات وكالات الأمم المتحدة المتخصصة لعام 1947. بل قررت إسرائيل في صلب اتفاقها مع الأونروا في 14/6/1967 أن تعترف بصلاحية هاتين للتطبيق في علاقاتها مع الأونروا، وهذا امر ضروري في حالة نقصان أمر ما وكيفية إكماله.

هذا بشكل عام، أما بشكل خاص فإسرائيل تحت التزامات للأونروا لا تستطيع أن تحيد عنها عملا بالإتفاقية المعقودة معها. بكلام آخر تطبق المعاهدة المعقودة بين الأونروا وإسرائيل لتسهيل عمل الأولى في الأراضي المحتلة. لكن إذا كانت نصوص هذه المعاهدة غير كافية أو بدا عليها النقصان فيتم الإلتجاء لأي من الإتفاقيتين الأخريين لإكمال النقص منهما.

وإذا عدنا إلى الإتفاقية الموقعة بين الأونروا في الرابع عشر من حزيران 1967 نجد أن هذا الإتفاق يقضي بالتزام الحكومة الإسرائيلية بتقديم أقصى التسهيلات للأونروا في تقديم مساعداتها للاجئين الفلسطينيين. وستقوم الحكومة الإسرائيلية بتسهيل عمل الأونروا وتبذل كل ما في استطاعتها للقيام بهذا الأمر ما خلا اعتبارات الأمن.

لذا فإن الحكومة الإسرائيلية تضمن الأمن لحماية الأشخاص العاملين في الأونروا، وتضمن ملكية المنشآت والمعدات وأموال الأونروا من أي اعتداء. وهي تضمن حرية الحركة والتنقل لللعاملين بالأونروا المحليين والأجانب. بل تعدت بصرف الوثائق اللازمة للأجانب لتسهيل مهمة عملهم. وتعهدت بالسماح للأونروا باستيراد المعدات والأدوات والأجهزة ا السلكية واللاسلكية الضرورية لعملها معفاة من الرسوم والجمارك. وسمحت لموظفي الأونروا بالإعفاء من الضرائب والتقاضي المحلي .

يبدو لي، أنه لولا هذا الإتفاق لما صمت نير بركات رغم جهله، ولما سكت بنيامين نتنياهو رغم نرجسيته، عن نشاط الأونروا ولقذفوا بها خارج حدود هذا العالم. ولكنه أهمية القانون الدولي العام ومصادره وعلى رأسها المعاهدات والإتفاقيات الدولية إذا أحسن استخدامها وإعدادها. فالأونروا لم تأخذ فقط بالنوايا الحسنة للمحتل الإسرائيلي، ولا بالقواعد الدينية أو الخلقية أو القبلية، بل وقعت اتفاقية دولية مع الحكومة الإسرائيلية لتكفل حقوقها وعملها ومالها ومنشآتها ومدارسها وأجهزتها. وكأن الأونروا كانت تستقرىء المستقبل المليء بالجهلة والنرجسيين والمتغطرسين، فكانت هذه الإتفاقية بينها وبين الحكومة الإسرائيلية لتكون حكما بينهما وردا على المتنطعين للقانون الدولي، حتى تكون الإتفاقية عبرة بأن الشفهي تذروه الرياح وان نتوقف عن الكتابة على الماء أو على رمل الطريق !!!