هل تشكل السلطة المحلية في الداخل الفلسطيني وكيلاً للتغيير؟!

بقلم: عوض عبد الفتاح

ليس لثقافة القيم والأخلاق سوى حيّز ضئيل في حملات الانتخابات للسلطات المحلية العربية. وهذا خللٌ بنيوي يتواصل ويتفاقم مع تراجع السياسة بمفهومها القيمي والأخلاقي. وتعني السياسة بمفهومها الحديث، إدارة الشأن العام بطريقة مهنية وعصرية، وأن تكون مدفوعة بقيمة التفاني من أجل خدمة الجمهور، والارتقاء بالمجتمع وبحالة الفرد – الإنسان.

في المجتمعات العصرية تكون الانتخابات، أي اختيار من يقود إدارة الشأن العام، عملية حوارية تثقيفية وتربوية ترسخ فكرة التناوب على السلطة، كنقيض للاستبداد والدكتاتورية والجمود، وترسخ أو تعيد إنتاج الفرد ككيان له حرية التفكير والاختيار، طبعًا ضمن مصلحة المجموع الذي ترسخت لديه فكرة الدولة القومية الحديثة، ذات النظام الديمقراطي. وتكاد تكون النزعة الغرائزية والانتقامية في سلوك الفرد في المجتمعات العصرية معدومة عند ممارسته الديمقراطية (طبعًا لا نضفي قداسة على التجربة الديمقراطية الغربية، خصوصًا مع عودة الشعبوية والكراهية، فلها نواقصها ونكساتها الكبيرة، وهي تجربة تتنوع بين دولة غربية وأخرى).

السلطة العربية المحلية في المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر ليس نتاج سيرورة تطور طبيعي، ولم تكن حصيلة قرار من المجتمع العربي، إنما هي قرار من الدولة الإسرائيلية التي جاءتنا غازية مستعمرة. وقد كشفت الأراشيف الصهيونية، الدافع الحقيقي وراء قرار انتخاب سلطات محلية في البلدات العربية، ألا وهو إشغال الفلسطينيين الناجين من النكبة في تنافس عائلي وطائفي ومذهبي في ما بينهم، وصرف انشغالهم عن مقاومة الحكم العسكري والدولة الغريبة التي قامت على أنقاضهم. جاء هذا القرار في إطار استراتيجية السيطرة والضبط والمراقبة التي اعتمدتها إسرائيل منذ اليوم الأول، خاصة بعد أن تأكدت أن الناجين من الهولوكوست الفلسطيني، والذين بقوا في حدود الدولة الجديدة، لن يلحقوا بأقربائهم خارج الحدود، وأنهم باقون في وطنهم.

وهكذا نجح المستعمر في المرحلة الأولى (فترة الحكم العسكري)، في استخدام البنية التقليدية للمجتمع الفلسطيني المهزوم، الذي وجد نفسه بلا قيادته التاريخية ونخبه السياسية والمثقفة، نجح في ترسيخ الحمائلية، وفي تأخير مجتمعنا كجماعة قومية ذات حس سياسي مشترك.

في النصف الأول من السبعينات، ونظرًا لتحولات اجتماعية وتعليمية واقتصادية داخلية، وعوامل خارجية (فلسطينية وعربية)، شهد الفلسطينيون في الداخل إرهاصات لمحاولة الفكاك من هذه السيطرة الإسرائيلية، والتي نضجت ووصلت ذروتها في فرض قرار الإضراب الشهير في يوم الارض، من قبل عدد من رؤساء السلطات المحلية وقف في مقدمتهم رئيس بلدية الناصرة حينها، القيادي الشيوعي الراحل توفيق زياد.

وكانت قبل ذلك قد نشطت أوساط وطنية وقومية وشيوعية مثل الحزب الشيوعي، وقيادات من حركة الأرض المحظورة، وحركة أبناء البلد، ونشطاء في الحركات الطلابية، في التهيئة والتحضير لقرار يوم الأرض، والذي أفرز تفاعلات اجتماعية وسياسية واسعة وعميقة لاحقًا . وبخصوص تأثير ذلك على السلطات المحلية، فكان أكثر من استفاد من ذلك الحزب الشيوعي نظرا لتجربته التنظيمية التي اكتسبها من خلال استثمار الشرعية القانونية التي منحت له منذ إقامة إسرائيل، ومن خلال الاعتماد على الدعم المالي من الاتحاد السوفييتي.

لقد بدأت الجبهة – الحزب الشيوعي بتسييس العائلة من خلال دعمها شخصية مقبولة من العائلة، وتحققت إنجازات في هذا المضمار، ولكن التجربة تحولت إلى عكسها بعد عقد من الزمان، إذ باتت العائلة تقود الجبهة، وهكذا بدأت العائلة تتغلب على الحزب – الجبهة، ومعها بدأ المجتمع يشهد تراجعًا على صعيد القيم السياسية، والاجتماعية التقدمية.

الأحزاب الأخرى الجديدة، مثل التجمع الوطني الديمقراطية والحركة الإسلامية، حاولت تفادي النتائج التي وصلت إليها تجربة الجبهة، وخاصة التجمع الذي حاول من خلال اعتماد ضوابط على التعامل مع البعد الحمائلي، طبعًا دون تجاهله تمامًا، بل من خلال محاولة متجددة لتطوير دور الحمولة نحو الدائرة القومية الأوسع. وقد حقق التجمع، الذي شكل عام ٢٠٠٣ لجنة قيمية من المكتب السياسي خاصة بالانتخابات المحلية، نجاحات متواضعة بهذا الخصوص. وكان بمقدوره أن يكون نموذجا أخلاقيا واجتماعيا مقبولا، غير أن التنافس المحموم بين الأحزاب التي تخوض انتخابات الكنيست قاد في نهاية الأمر الجميع إلى الذهاب بعيدًا في المساومة مع العائلات. طبعًا لم تعد العائلات تشكل وحدة اقتصادية اجتماعية للفرد كما كانت في السابق، وهي تمر في حالة تفكك إلى أفخاذ وجماعات مصالح، ولكن لا تزال تلعب دورا أساسيا في شكل وطبيعة نتائج الانتخابات، ليس فقط على صعيد المرشحين، بل على صعيد الثقافة والقيم.

وهكذا انتهت محاولة نسج علاقة بين العائلة والحزب لصالح الأخير أو لصالح الانتماء الأوسع، إلى هيمنة الفكر التقليدي والانتهازية، ولم تؤد إلى تسييس العائلة ولا إلى استعادة الجانب الإيجابي للحمولة، أي التكافل الداخلي. كما لم تؤد إلى تقوية الأحزاب، بل قوضت القيم التي تقوم عليها، وباتت الأحزاب هياكل مفرغة إلى حد كبير من قيمها السياسية والاجتماعية التقدمية والأخلاقية.

هكذا بتنا في حالة فراغ سياسي حقيقي، تدخل منه سلطة المستعمر في محاولة لتوسيع هذا الفراغ، ونزع السياسة كليا عن بنية ودور السلطات العربية المحلية. وليس أخطرها سياسة القمع والتحريض والقوانين العنصرية، بل طريقة وشروط تمرير الميزانيات لهذه السلطات، بحيث يصبح مقياس نجاح الرئيس هو مدى نجاحه في الحصول على ميزانيات كبيرة نسبيًا (ليس بما يلبي الحاجة، بل مقارنة مع الوضع السابق)، بشرط سكوته السياسي أو امتهان شتم القيادات السياسة والحركات الوطنية، مع أن بعض هذه القيادات، وخصوصًا بعض أعضاء الكنيست، يحملون نفس التوجه، حتى لو تلفظوا بلغة سياسية حادة شكليا. هذا التوجه يعني تقديم شهادة حسن سلوك إلى السيد، الذي يستعمر الأرض والناس، بدل مواجهته وطرح مطالب الناس الشرعية بطريقة سياسية قوية وحكيمة ومتماسكة.

ترسيخ الفراغ السياسي

بطبيعة الحال، طرأت تحولات وتطورات كبيرة على مستوى الإدارة والمشاريع في العقود الثلاثة الأخيرة، من حيث المهنية والتراتبية وتوزيع الوظائف داخل إدارة المجلس البلدي. مع ذلك لا تزال الكثير من المجالس تعاني من ثغرات خطيرة في هذا المجال.

إن السلطة المحلية هي من نتائج الحداثة، ومن أهدافها تحديث المجتمع وتحقيق التطور على مستوى وعي الفرد بمفهوم دوره الواعي في اختيار الإدارة، الرئيس والأعضاء، ودوره في مراقبة عمل هذه الإدارة، والتفاعل مع ما تقوم به تجاه المجتمع.

وفي حالتنا، نحن الفلسطينيين، الذين نعيش تحت المواطنة الإسرائيلية، لا يجوز أن تكون السلطة المحلية متنكرة لواقعها السياسي، واقع القهر، والنهب والحصار، واقع الاستعمار. حكومات إسرائيل أرادت وتريد من السلطة المحلية العربية، سلطة خدمات لا غير، وكيف تقدم السلطة خدماتها الحقيقة وكما يجب، وقد تم السطو على منطقة نفوذها، وحوصرت بالمستوطنات اليهودية، وحرمت من الزراعة والصناعة والجامعات العربية. ليس هذا فحسب، بل تريدها أداة ضبط وألا تتدخل في السياسة، يعني ألا تعارض فعليا هذه السياسة والمخططات التهويدية الاستعمارية، وألا تُحيي الذاكرة الوطنية، وأن تواصل عزل المدارس العربية عن تاريخنا. أي تريدها مؤسسةً تتعاون مع مخطط السيطرة على الذاكرة، لمنع نمو جيل فلسطيني قوي ومناضل، متمسك بحقه بالعيش بحرية في وطنه.

عندما ينفد ما تبقى من أرض، ويتضاعف عدد الشباب الذي يحتاج إلى التعليم والعمل وبناء البيت، من يقوم بالنضال وممارسة الضغط على المؤسسة الصهيونية لاستعادة الأراضي وإقامة المصانع وتطوير الزراعة وبناء مؤسسات تعليمية عليا، وامتلاك الحق بالتصرف المستقل بالذاكرة الجماعية؟ هذه شروط أساسية ووجودية من أجل ضمان تطور طبيعي لجزء من شعب جُرّد بصورة وحشية من حريته ومن وطنه، ومن موارده الطبيعية.

من دون تحقق هذه الشروط، سيزداد العنف الداخلي والتفكك الاجتماعي والاخلاقي، ما يعني المزيد من الخسارة في الأرواح ومزيد من التدهور في مستوى المعيشة، وذلك قبل أن يتحول هذا العنف، ولو بعد أمد طويل، ضد المستعمر نفسه.

أين نقطة الضوء؟

من علامات التدهور، غياب الثقافة بصورة عامة، وغياب الثقافة الوطنية بصورة خاصة، وغياب مكانة الشباب الجدية في الحملات الانتخابية وكذلك في سياسات السلطات المحلية. تستثمر بعض السلطات المحلية أموالا ضخمة في الرياضة، وهو أمر جيد؛ لكن حظ البرامج التي تهتم بتنمية ثقافة عامة وثقافة وطنية وبناء الانسان، من الاهتمام والميزانيات ضئيل جدا. في الحقيقة، تغيب هذه المسألة عن وعي ومعرفة غالبية رؤساء السلطات المحلية وعن غالبية الموظفين المكلفين بإدارة دوائر المعارف والثقافة، الذين يفتقرون للمعرفة الثقافية وللثقافة الوطنية، وعن غالبية المرشحين للرئاسة. هناك من يعتقد أن الثقافة الوطنية تنحصر في لبس القمباز والدبكة ولأكل الزعتر، أو في التسوق في أسواق القدس القديمة، أو بالمشاركة في مناسبة وطنية. هي حس وطني عميق ومعرفة عميقة بالتاريخ النضالي لشعبنا، وهي ممارسة سياسية وطنية، تبدأ في تشجيع التعرف على مسيرة نضال الشعب ورموزه، من خلال اعتماد برامج تثقيف في المراكز الثقافية والجماهيرية وفي المدارس، وتربية الأبناء في البيت على الوطنية، وتشجيعهم على قراءة تاريخنا وأدبنا، وتنتهي في المشاركة الفعلية في نضالات الناس والتفاعل مع همومهم.

في ظل هذا الفراغ القاتل، تحضر مجددا نقاط ضوء مشجعة، يمكن البناء عليها. ظهور حراكات شبابية ثقافية وأدبية واجتماعية، تحاول أن تسد بعضا من الفراغ، وبعضها يخوض الانتخابات للعضوية في قوائم شبابية مستقلة، وكذلك اقتحام عدد من النساء التقدميات الجريئات ساحة التنافس على عضوية السلطة المحلية.

ما يميز هذه المحاولات أو الحراكات، رغم محدوديتها حتى الآن، هو جمعها بين السياسة الوطنية والثقافة الاجتماعية التقدمية، والثقافة المهنية كنقيض للفساد والهشاشة. هذه الحراكات يمكن أن تشكل بداية مسار تجديد المجتمع وإعادة الاعتبار للسياسة الأخلاق، وأن تحول السلطة المحلية إلى وكيل للتغيير، وتكون محورا للتنوير والإضاءة.