مدى حوكمة جوائز حسابات التوفير؟!

بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

تتسابق المصارف العربية، على اختلاف أسمائها، العاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة، على إعلان جوائز مغرية، يسيل لها لعاب كل شخص، لكل من يفتح حساب توفير في أحد فروعها ويودع فيه حدا أدنى من المال. وهذا حق مشروع لتلك المصارف والتنافس فيه أمر مشروع ومحبذ. لكن السؤال الذي يثور ما مدى تطبيق البنوك لمفهوم الحوكمة على إجراءات تقرير فوز حساب دون حساب والملابسات التي تحيط بالكشف عن الحساب الفائز.

نتساءل عن تطبيق مفهوم الحوكمة في البنوك رغم معرفتنا أن البنوك هم تجار، ويمثلون القطاع الخاص في الدولة الفلسطينية. ولكنهم في النهاية رغم هدفهم الربحي الأساسي، هم يديرون حسابات توفير لعشرات الآلاف من الحسابات للمواطنين البسطاء، الذين يمثلون مصلحة عامة كبيرة اقتصاديا واجتماعيا، ويجب حماية ورعاية مصالحها من كل ضرر مباشر أو غير مباشر، مقصود أو غير مقصود.

يقال هذا الكلام في ظل تجربة مصرفية غضة، وواقع عملي، ومتباين ومختلف من مصرف لآخر بل يصل حد التضارب بين مصرف وآخر. فمثلا يعلن المصرف الفلاني عن الحساب الجائز بعد مرور شهر أو أكثر على تاريخ السحب المفترض. فمثلا جائزة حساب شهر حزيران، يعلن عن الحساب الفائز فيها في آب، ولا يعلن عنه في شهر تموز كما يفترض. وأحيانا كثيرة، لا تعرف سببا لتأريخ إعلان جائزة حساب ما، بمعنى قد يصادف تاريخ إعلان الحساب الفائز منتصف الشهر التالي، أو نهايته، أو بعد مرور زمن آخر، على نهاية الشهر المقرر له جائزة. والسؤال أين دور سلطة النقد الفلسطينية في الرقابة على عمل المصارف؟ وهل يجوز ترك المواطن البسيط البريء في مواجهة مصارف اقل ما يقال أنها أشخاص قوية ماليا ومؤثرة في المجتمع والسلطة الحاكمة بل إن السلطة تستدين منها.

والأخطر من زاوية الرقابة والشفافية والمساءلة وهي من أركان الحوكمة، كيفية اختيار الحساب الفائز. ومن يشارك في هذه العملية الحاسمة لاختيار الحساب الفائز نفيا لشبهة تتعلق بالتمييز على أساس ديني أو جغرافي أو عرقي أو جنسي أو قربى أو مالي أو حزبي أو أية شبهة أخرى. قد يقال الحاسوب ولكن حتى الحواسيب يمكن التحكم فيها ضمن قواعد محددة.

من المفترض أن تكون عملية الاختيار عملية جماعية وليست فردية وضمن قواعد واجراءات وتفاصيل تقيم للعدالة وزنا.

وبالتالي هل يشارك ممثلون عن سلطة النقد وهي الجهة التي تشرف على البنوك في عملية السحب على الحساب الفائز؟ هل يشارك ممثل عن القطاع المدني في هذا الأمر ليكون شفافا. هل يشارك مندوب وزارة ذات اختصاص في اختيار الحساب الفائز. ولماذا لا يعلن اسم صاحب الحساب الفائز في آخر يوم من أيام الشهر فور انتهاء عملية الاختيار أو السحب.

حتى يكون للأمر مصداقية وقدرا من العدالة، ومن أجل تعزيز مبدأي الشفافية والمساءلة، ومنعا للغش وتطبيقا للنوايا الحسنة وحسن الأخلاق التجارية، ومنعا للإنحراف والفساد الإداري والمالي والمجتمعي، ودرءا للتلاعب بمصالح الأفراد ووجود مرجعية قانونية، وحوكمة رشيدة، يجب ان يتم كشف الحساب الفائز في حسابات التوفير ضمن سياق علني للمصرف ورقابة من سلطة النقد وإجراءات بعيدة عن السرية ورقابة رسمية ومدنية.

موضوع الفائز بجازة حساب توفير، يشوبه الغموض بحيث قد يؤدي إلى الإخلال بمبادىء الحوكمة والعدالة الرشيدة. فلا شيء يجري في العلن بل كله أسرار، ولا تعرف كنه الأسرار البنكية الخاصة بالجوائز وإجراءاتها، فالبنوك لم تعلن يوما عن هذه الإجراءات رغم أنه امر أساسي ضمن مبدأ الحوكمة الذي هو حق من حقوق الإنسان الأساسية، بل للإنسان حق في الحصول على المعلومة حتى يتحقق من مدى شرعيتها وملائمتها للقانون.

وتبدو السرية وكأنها حق مطلق للبنك السيد الذي يتعامل مع مسود ضمن عقد إذعان، وليس للمسود خيار سوى التوقيع لحاجته الماسة، رغم ما في ذلك من خرق لمبادىء القانون، مثلما تعودت المصارف طيلة الوقت أن تتعامل مع الأفراد البسطاء.

لنفترض أن شخصا ما فاز حسابه بجائزة صغيرة أو كبيرة، فيتم الإتصال معه – هكذا يقال – ويتم التحقيق معه على الهاتف بشكل مبسط ويطلب منه أن يقابل المدير حتى يفشي له سرا عظيما قاضيا بفوزه في حساب توفير ما. علما أن الشخص الذي يفتح حساب توفير في اي مصرف، يوقع على أوراق بالجملة قد تمس حريته الشخصية فيما لو فاز مستقبلا بأية جائزة. وكأن الفوز امر سري ويجب أن يحاط بقدر كبير من الخصوصية والأمن.

من المعلوم ان سلطة النقد الفلسطينية التي تقوم بدور البنك المركزي الفلسطيني فرضت غرامات مالية على عدة مصارف عاملة في الضفة والقطاع، لأنها لم تنصع للقوانين المرعية وخالفتها، فلم لا تعمل سلطتها بشأن حسابات التوفير؟ فضلا أن بعض المصارف الأردنية والتي تعمل بالضفة الغربية والقطاع تعمل نهجا مختلفا بشأن حسابات التوفير القائمة في الإقليم الأردني فضلا أن بعض المصارف الأردنية والتي تعمل بالضفة الغربية والقطاع تعمل نهجا مختلفا بشأن حسابات التوفير القائمة في الإقليم الأردني وتعمل مبدأ الشفافية والحوكمة إلى حد ما.

يجب على المصارف ان تُعمل مبدأ الحوكمة في حسابات المواطنين، وبخاصة حسابات التوفير وجوائزها. ومبدأ الحوكمة يقضي بالعلنية والشفافية والإدارة الرشيدة في إجراءات كشف الحساب الفائز. حتى تكفل حقوق اصحاب الحسابات وتؤمن مصداقيتها، وكشف المعلومات بشأنها، بما يكفل القرارات السليمة. وإخضاع عمليات الحسابات لمجموعة من النظم والبيانات المالية السليمة وبذل العناية اللازمة لذلك، وإشاعة حقوق الإنسان والمفاهيم الديموقراطية في إجراءات كشف الحساب الفائز، لتقليل الغش ومنع تنازع المصالح ومراجعة الأداء وتقويمه، وزيادة الثقة مع الجمهور، والإسهام في الرأي لتقدم العمل المصرفي. وليس أحد اشد عمى من أولئك الذين لا يريدون أن يبصروا!