الأزمة الخليجية وفرص نجاح المساعي الاميركية لتشكيل "ناتو عربي"

الدوحة - "القدس" دوت كوم - شهدت الأيام الماضية فصلا آخر من فصول الأزمة الخليجية بعد سجال جديد بين أطرافها كانت ساحته هذه المرة منابر الأمم المتحدة باتهامات متبادلة بشأن الإرهاب وإشارات مفادها أن لا حل قريبا للأزمة التي أصابها "الجمود".

وفي خضم هذا السجال جمعت الولايات المتحدة أطراف الأزمة في مسعاها الرامي لتشكيل تحالف أمني أو "ناتو عربي" هدفه مواجهة التهديدات الأمنية للمنطقة ولأميركا وتوحيد مجلس التعاون الخليجي، في تحرك يتشكك خبراء في إمكانية تحقيقه في ظل النزاع القائم.

وبدأ السجال بقول وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الذي تقاطع بلاده مع كل من الإمارات والبحرين ومصر الدوحة، قبل أيام في نيويورك إن الرياض يمكنها الصبر على قطر لعشرة أو 15 عاما حتى تتغير، ليرد نظيره القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني بأن بلاده يمكنها هي الأخرى الانتظار للأبد.

واتهم الجبير في كلمة بلاده بالجمعية العامة للأمم المتحدة، قطر بـ "دعم الإرهاب واحتضان المتطرفين"، ليعقب هذا مطالبات بحق الرد من البعثات الدبلوماسية الأممية لقطر ثم السعودية والبحرين والإمارات تبادلت خلاله الاتهامات بدعم الإرهاب وزعزعة الاستقرار، في مشهد ينم عن خلاف عميق يصعب معه تشكيل التحالف المنشود أميركيا حسب المحللين.

وعقد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو اجتماعا مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي الست والأردن ومصر الجمعة الماضي، بحثوا خلاله تشكيل تحالف استراتيجي بالمنطقة يرتكز على مجلس تعاون خليجي موحد لتعزيز الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب ومواجهة التهديدات الإيرانية للمنطقة ولواشنطن.

وبعد الاجتماع صرح وزير الخارجية القطري أن الأزمة الخليجية اختبار حقيقي لمصداقية هذا التحالف، وأنه لن يكتب له النجاح إذا لم يحسم الخلاف بين المدعوين إليه على مفاهيم أمنية جوهرية، مشيرا إلى أنه لا توجد أي تطورات في الأزمة التي قال إنها "أصيبت بالجمود".

وقال المحلل السياسي والخبير في الشؤون الخليجية صدام الإبراهيم لوكالة أنباء (شينخوا) اليوم الاحد، إن " الأزمة في عامها الثاني مازالت دون تصعيد أو حل ويمكن توصيف ما تعانيه بالجمود فعلا، لكن أطرافها يبثون فيها الروح بين آونة وأخرى حتى أخرجوها من إطارها المحلي مع مساعي التدويل هنا وهناك".

وأوضح الإبراهيم أن المتتبع للأزمة يرى "حربا كلامية طاحنة" تدور رحاها على المنابر الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي محليا وفي أروقة المحاكم قضائيا والمحافل الدولية دبلوماسيا والجديد انتقالها إلى ساحة الأمم المتحدة بسعي كل طرف لإحراج الآخر وإضعاف حجته أمام المجتمع الدولي.

وأشار إلى أن هذه الحرب الكلامية "تجاوزت كل الخطوط الحمر سياسيا واجتماعيا وحتى أخلاقيا لتمزق ما تبقى من أواصر، وما أحدثته من شروخ في النسيج الاجتماعي وفي مجمل العلاقات لم يعد معها البيت الخليجي موحدا ولا الحل سهلا رغم جهود الكويت والولايات المتحدة في هذا الاتجاه".

واتفقت معه الكاتبة الصحفية والباحثة في الشأن الخليجي أروى محمد التي قالت لوكالة (شينخوا) إن عودة المياه إلى مجاريها أمر في غاية الصعوبة ويتطلب إرادة سياسية قوية تسمو فوق التباينات وتوحد الصف والأولويات وهو ما لا يبدو ممكنا على الأقل في الوقت الحالي، والأمر نفسه ينسحب على فكرة التحالف الأمني.

واوضحت محمد أن هناك تباينا واضحا في المواقف السياسية أبرزها على سبيل المثال المواقف من بلدان الربيع العربي والموقف من إيران وحرب اليمن، لاختلاف أولويات هذه الدول واختلاف رؤيتها بشأن ماهية التهديدات الأمنية بالنسبة لها ومن تراه "عدوا" من وجهة نظرها.

وأضافت أن "هناك أيضا حالة من انعدام الثقة بين الأطراف وهوة عميقة يصعب جسرها مع كل ماحدث ووسط الشائعات عن محاولة اجتياح قطر عسكريا أو الحديث عن عزلها واتهامات كل طرف للآخر بالتدخل في شؤونه والإضرار به أو بدعم الإرهاب".

من جانبه، قال الخبير العسكري محمد سلام لوكالة (شينخوا) إن "واشنطن التي أجلت مرارا قمة لجمع أطراف الأزمة لحلها، جمعتهم غير مرة للدفع نحو ناتو عربي لمواجهة التهديدات في المنطقة وإيران التي زاد التوتر معها منذ إعلان واشنطن الانسحاب من الاتفاق النووي الموقع معها في 2105".

وقبل اللقاء الأميركي الجمعة الماضية بوزراء خارجية الدول العربية الثمان والذي جمع وزراء دول الخليج الست لأول مرة منذ الأزمة التي اندلعت العام الماضي، سبق أن جمعت الولايات المتحدة رؤساء أركان جيوش الدول الخليجية مرتين آخرها في سبتمبر الجاري في الكويت مع نظرائهم من الأردن ومصر لذات الغرض.

ويرى سلام أن هذه الاجتماعات تدل على أن واشنطن هي اللاعب الرئيسي الذي يستطيع تحريك الجمود، كما تدل على أنها معنية فقط بأولوياتها ومصالحها ومقاربتها الحالية للأزمة تقوم على تجاهل الخلافات السياسية لا حلها.

وأوضح أن الإدارة الأميركية تريد هذا التحالف لجعل العقوبات التي ستفرضها في نوفمبر المقبل على طهران مؤلمة، ولتحقيق إنجاز في السياسية الخارجية للرئيس دونالد ترامب الذي يرغب في الظهور بمظهر المسيطر والمدافع عن المصالح الأميركية في المنطقة قبل انتخابات التجديد النصفية.

ولفت إلى أن السعي الأميركي الحثيث نحو التحالف من الوارد أن يجعله ممكنا لكنه سيركز فقط على الجانب الأمني المهم أميركيا، كما أن واشنطن ترى مصلحتها في العمل ضمن تحالف يلقي بجزء من الأعباء المالية لحماية مصالحها الإقليمية والأمنية على عاتق حلفائها، ما قد يجعل الأمر برمته استنزافا لأموال المنطقة، حسب سلام.

وبالنظر إلى واقعية المشروع الأميركي وفي ظل كل هذه المعطيات، شكك الخبراء الثلاثة في جدوى إنشاء تحالف جديد في منطقة متخمة بتحالفات لم تفلح في حل أزماتها، وإمكانية الاتفاق على خطط مشتركة والتحرك جماعيا ضد إيران مثلا التي لا تملك بعض الدول خصومة واضحة معها، أو لمكافحة الإرهاب الذي تتبادل الاتهام بشأنه.

وأجمع الخبراء على أنه بدون حل حقيقي للأزمة تتضاءل فرص إنشاء تحالف فاعل وذي نفع لدول المنطقة وسط هذه الحرائق المشتعلة، وحتى إن تشكل لن تترجم نشاطاته إلى واقع ملموس يفضي إلى استقرار الأوضاع أو حتى للوصول إلى مفاهيم عمل موحدة.