هل من جدوى في اللجوء لمحكمة العدل الدولية في مواجهة الغطرسة الأمريكية؟

بقلم: زياد ابو زياد

من أبرز النقاط الجدلية التي تضمنها خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة في جلستها الثالثة والسبعين المنعقدة هذا الشهر في نيويورك هو هجومه على المؤسسات الدولية وبالتحديد محكمة الجنايات الدولية واعتباره أن تلك المؤسسات تُشكل مساسا ً بالإستقلال والسيادة الأمريكية ورفضه احترام أو تنفيذ أي قرار يصدر عنها.

ولعل أول ما تبادر الى أذهان الكثير من المراقبين والمختصين بالشؤون الدولية هو أن خطاب ترامب يعبر عن منهج دبلوماسي دولي جديد يهدد الاستقرار الدولي الذي سعى اليه المجتمع الدولي بقيادة أمريكا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ، وأن هذا المنهج الجديد قد تم الإعلان عنه أمام أكبر تجمع دولي توافق عليه المجتمع الدولي منذ انتهاء الحرب الثانية وهو الجمعية العمومية للأمم المتحدة .

ولا بد من الإشارة أيضا ً الى أن خطاب الرئيس ترامب يشكل معولا ًوإعلانا ً بالبدء بهدم المؤسسات الدولية التي دأب العالم على اللجوء إليها منذ الحرب العالمية الثانية كوسيلة لتعميق التنسيق والتعاون الدولي والعمل على توطيد دعائم الأمن والسلم الدوليين وإبعاد شبح الحروب وويلاتها.

ولا شك بأن هذا الإعلان لم يُفاجىء الكثيرين فقد سبق للرئيس ترامب أن انسحب من اتفاقية باريس للمناخ ومن منظمة اليونسكو وعدد من المنظمات الدولية وها هو يقترب أكثر من المؤسسات الأكثر مفصلية في العلاقات الدولية.

ولا شك أيضا ً بأن هذا النهج الجديد لإدارة الرئيس ترامب يشكل أيضا ً تهديدا ً للأمم المتحدة نفسها سنرى آثاره الكارثية عندما تصطدم أي من منظمات الأمم المتحدة مع الرغبات والنزوات التي يتبناها الرئيس ترامب الذي يشكل أيضا ً مدرسة جديدة في العلاقات الدولية تقوم على أساس الإستعلاء والعجرفة ومحاولة الهيمنة على المجتمع الدولي من خلال التهديد بالمال أو القوة العسكرية ، وقد ردد أكثر من مرة في خطابه قبل أيام أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة بأن الولايات المتحدة تملك أكبر ثروة ودخل قومي على وجه الأرض وتملك أيضا ً أكبر قوة على وجه الأرض حسب قوله.

في هذه الأجواء الدولية المشحونة بالغطرسة الأمريكية التي يمثلها الرئيس ترامب ومستشاره للأمن القومي جون بولتون ومندوبته الى مجلس الأمن نيكي هيلي وتحدي الرئيس ترامب للمؤسسات الدولية العالمية نقلت إلينا وسائل الإعلام أمس نبأ مفاده أن دولة فلسطين قد توجهت الى محكمة العدل الدولية وهي إحدى أهم مؤسسات الأمم المتحدة منذ تأسيسها ورفعت قضية ضد الولايات المتحدة استنادا ً الى معاهدة فيينا بشأن العلاقات الدبلوماسية الموقعة في 18 نيسان 1961 والتي تنص على أن الدولة التي تقيم بعثة دبلوماسية لدى دولة أخرى عليها أن تقيم بعثتها الدبلوماسية في داخل حدود الدولة المضيفة وأن أمريكا قررت في 6/12/2017 الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وأنها في 14/5/2018 قامت بافتتاح سفارتها في القدس خارج حدود دولة إسرائيل ، لأن وضع القدس لا يزال محكوما ً بالقرار الدولي 181 وبالتالي فإن المكان الذي نُقلت إليه السفارة يقع خارج حدود دولة إسرائيل وطلبت من المحكمة الدولية أن تُعلن بأن قرار نقل السفارة الأمريكية للقدس يُشكل خرقا ً لمعاهدة فيينا آنفة الذكر والطلب من أمريكا إعادة نقل سفارتها من القدس الى خارجها.

ويستند الطلب الفلسطيني إلى أن فلسطين كانت قد انضمت لمعاهدة فيينا في 2/4/2014 ووقعت البروتوكول في 14/5/2018 وأن أمريكا قد وقعت هي الأخرى على كل من معاهدة فيينا والبروتوكول وهي بالتالي ملزمة باحترام قرارات محكمة العدل الدولية بهذا الشأن.

لا شك بأن الموقف القانوني الفلسطيني يبدو قويا ً لأول وهلة ولكننا لا نستطيع أن نتجاهل حقيقة أن النظر في هذا الأمر أمام المحكمة الدولية سيستغرق وقتا ً طويلا ً قد يصل الى سنوات وأن المرافعة الدفاعية الأمريكية تملك مساحة واسعة للمناورة لا سيما وأن القرار رقم 181 هو قرار صادر عن الجمعية العمومية وليس مجلس الأمن علما ً بأنه حتى قرارات مجلس الأمن لا تكون ملزمة للتنفيذ إلا إذا صدرت وفقا ً للبند السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وأنا إذ أقول هذا فإنني لا أريد أن أنتقد أو أحبط أحدا ً ولكنني أتساءل عن مدى جدوى الدخول في معارك دبلوماسية مع أمريكا ومناكفات وحروب كلامية.

لقد أعلن الرئيس عباس للمرة الواحدة بعد الألف وكان آخرها قبل أيام أمام الجمعية العمومية بأننا نريد السلام وأننا ضد العنف وأننا نحارب الإرهاب في كل مكان في العالم فهل يعتقد أحد ٌ بأن هذه الإعلانات المتكررة الى درجة الملل قد حققت شيئا ً للشعب الفلسطيني؟!

وثمة تساؤل آخر وهو الأهم : لقد طالب الرئيس عباس الرئيس ترامب بسحب قراره بالإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ، فهل يتوقع أن تقوم أمريكا ، التي كان يسميها الشهيد ياسر عرفات بأنها : وحيد القرن " ، بسحب قرارها استجابة لطلب الرئيس عباس!!؟

ومن جانب آخر فقد أعلن الرئيس عباس في نفس الخطاب أمام الجمعية العمومية قبل أيام بأن عاصمة فلسطين ليست في القدس وإنما " القدس العربية المحتلة عام 1967 " وهذا يعني أنه لا يُطالب بالقدس الغربية التي أعلن الكثير من القياديين الفلسطينيين وعلى كل المستويات من القمة الى القاعدة استعدادهم للإعتراف بالقدس الغربية عاصمة لإسرائيل. وعليه فقد كان الأجدر بالرئيس عباس أن يتخلى عن المطالبة بشيء هو يعرف مسبقا ً بأنه غير ممكن ، وأن يأخذ زمام المبادرة وأن يتبنى سياسة الهجوم الدبلوماسي بمطالبة الرئيس ترمب الإعتراف بالقدس العربية المحتلة عام 1967 عاصمة لدولة فلسطين مقابل اعترافه بالغربية عاصمة لإسرائيل وأنه إذا فعل ذلك فإنه سيفتح الباب لعودة الفلسطينيين للمفاوضات من قاعدة الإعتراف بحدود 1967 وبالقدس العربية عاصمة لفلسطين.

مثل تلك المبادرة والهجوم الدبلوماسي أفضل من المناكفة السياسية التي لا تحقق شيئا ً سوى المزيد من العزلة والتنافر مع أكبر قوة سياسية في العالم وترك الساحة مفتوحة أمام إسرائيل تخوض حربا ً سهلة لتضليل الرأي العام الدولي وتستغل الوقت للمضي قُدما ً في تنفيذ سياستها التوسعية الإستيطانية دون منازع.