العالم بلا أمم متحدة

بقلم: نبيل عمرو

لولا سطوة الإعلام، وحاجة زعماء العالم للترويج لسياساتهم التي يعتبرون فيها إخفاقاتهم نجاحات، لما تابع سكان المعمورة وقائع اجتماعات الأمم المتحدة. ومع أنه من المفترض أن تكون خطب زعماء العالم بمثابة دليل على مصائر الشعوب، فإن بمقارنة بسيطة بين المونديال السنوي الذي يعقد في نيويورك، وبين المونديال الرياضي الذي يقام كل أربع سنوات، سيكون المونديال السياسي محظوظاً لو حصل على 1 في المائة.

العرض البانورامي الذي قدمه الأمين العام غوتيريش، رغم مساحيق التجميل اللغوية التي استعان بها كي لا يتحول خطابه إلى أطروحة نعي وتأبين، لصح القول بأن الرجل المنوط به حراسة هذا الصرح الكبير، قد استعان بمقولة سعد زغلول: «مفيش فايدة».

وإذا كان السيد غوتيريش يحتل موقعاً تراثياً لا قرار له فيه، فإن مطوّلة المنفق الأول على الأمم المتحدة كانت أوسع من نعي للمنظمة الدولية، أي أنها اقتربت كثيراً من نعي النظام الدولي الذي وفق ما يفهمه ترمب لم يعد بحاجة إلى تجمعات إقليمية أو دولية أو اقتصادية أو عسكرية؛ بل إنه وفق الرئيس الأميركي يجب أن ينتقل إلى مرحلة جديدة عنوانها «أميركا أولاً»، ووفق الحيثيات التي ساقها الرئيس ترمب، فكلمة «أولاً» تعني كذلك «أخيراً».

ليس بوسع الرئيس الأميركي الذي يحاول إهالة التراب على الصيغة القديمة للنظام الدولي الراهن والمتداعي، أن يرسي قواعد نظام بديل يتآلف مع نظام وآليات أميركا أولاً وأخيراً. فرغم التباهي بالتفوق الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي، فإن الرئيس الأميركي لم ينتبه بما يكفي لعوامل جدّية بدأت تزحزح البساط من تحت أقدام العملاق.

بعض مقومات العظمة الأميركية التي سلّم العالم بها لعقود طويلة، بدأت في التراخي، وأولها الوضع الداخلي في أميركا ذاتها، الذي لم يشهد ومنذ نشوء الدولة العظمى صراعاً يحتد كل يوم، ويهدد الرئيس بالإقالة في منتصف ولايته.

وخارج الولايات المتحدة، يكتم الحلفاء التلقائيون لأميركا غيظهم من الطريقة التي يدير بها ترمب علاقته بهم، واستخفافه بمصالحهم. وهذا إن كان يحدث في السابق على نطاق ضيق، فهو يحدث الآن دون تورية ولا أغطية.

كذلك، فإن ما كان في الماضي يوصف بالتحالف الاستراتيجي مع معظم دول العالم، وغالباً تحت شعارات إنسانية وحضارية، يجري تحويله الآن إلى علاقات تسمى في العالم السفلي «الخوّة».

لم يبق على السيد ترمب في مطولته التي ألقاها بالأمس أمام ممثلي العالم، إلا أن يقول إن أميركا مفتوحة لمن يدفع، ومغلقة أمام من يخالف ولو قليلاً.

التوقف أمام خطاب ترمب، مع أن كل المتحدثين شاركوه في إظهار قلة قيمة المنظمة الدولية، سببه أن الرجل يملك قدرات حقيقية وفعالة لسخطها، إن لم تمارس ولاءً مطلقاً لخطئه قبل صوابه، فهو يمشي على طريق لا بد أن يفضي أخيراً إلى هذه النتيجة. فإذا كان الفلسطينيون مثلاً يعجزون عن تعويض المبالغ الضئيلة التي حجبها عن الأونروا والمستشفيات، وكان قد حجب مثلها عن اليونيسكو، فمن هم أولئك الذين سيعوضون ما يمكن أن يقتطع من المليارات التي هي موازنة الأمم المتحدة ومؤسساتها.

لن يشعر العالم بأسى لو استفاق يوماً ورأى أن الأمم المتحدة اختفت من الوجود، غير أن العالم كله يشعر بقلق مبرر جراء الانهيار المتسارع للنظام الدولي القديم، دون أن يرى مقدمات ولو محدودة لولادة نظام جديد.

الفترة الانتقالية التي قد تطول عقوداً ستكون مكتظة بالفوضى والحروب وفقدان السيطرة، ولسنا بحاجة للانتظار، فالعالم يمشي حثيثاً نحو هذا المحذور. شاهدنا أعراضه المبكرة في الشرق الأوسط المشتعل حتى الآن، ونشاهد الحرب الاقتصادية الفادحة التي يشنها ترمب على الصين، وشاهدنا - وما زلنا - الموت والتهجير بالجملة، في حرب كونية تستحق أن تسمى حرب اللاجئين.

العالم الآن يشاهد خلاصات يظنها أخيرة، ونموذجها سوريا، فإذا بالأوضاع هناك إن أغلقت فيها ملفات فإن الملفات المغلقة تحمل في داخلها ملفات أخطر وأفدح. فيما مضى كان تفاهم بين عدة دول يشعل حروباً أو يوقفها، أما الآن فما أسهل أن تشتعل حرب، وما أصعب أن نجد من يحتويها ويضع حداً لها.

بالاتفاق مع "الشرق الأوسط"