أوسلو ما بين الشجب والإطراء؟!

بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

كانت مفاجأة مذهلة اهتزت لها أركان الدنيا وأفاقت عليها دول العالم من غفوتها، بما فيها الدول الكبرى، ولم تستطع تلك الدول تصديق الحدث ولا المقربون من أحداث المنطقة وبخاصة أنهم خارجون لتوهم من حرب الخليج والبريسترويكا السوفياتية، فقد كان أشبه بحلم بعيد المنال، حيث شكّل حدثا استثنائيا مفاجئا. تمثل ذلك الحدث في معرفة أن منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية توصلتا في أوسلو المدينة النرويجية البعيدة في شمال القارة الأوروبية، إلى اتفاق ووقعتا عليه هناك في نهاية شهر آب من عام 1993 تحت مسمي إعلان مبادىء لترتيبات الحكم الذاتي الإنتقالي.

حدث ذلك في غفلة من مفاوضات الكوريدور التي رأسها المرحوم الدكتور حيدر عبد الشافي.

إعلان المبادىء السري هذا، ما لبث أن وقع في احتفال علني رسمي في حديقة البيت الأبيض الأمريكي، وبحضور القيادتين الفلسطينية والإسرائيلية والأمريكية والروسية في الثالث عشر من شهر أيلول من عام 1993. وقد وقعه من الجانب الفلسطيني أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية محمود عباس، ومن الجانب الإسرائيلي وزير الخارجية شمعون بيرس.

قلب هذا الاتفاق الأمور والأوضاع رأسا على عقب، حيث أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية اعترافها بدولة إسرائيل ونبذها العنف وتعهدها بتعديل الميثاق الوطني الفلسطيني. وأعلنت إسرائيل الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلة للشعب الفلسطيني وبدء مفاوضات معها حول مستقبل الضفة والقطاع. واستكمل إعلان المبادىء باتفاقيتي القاهرة وواشنطن لاحقا. وغير مطلوب السرد التاريخي لمجمل الأحداث المتعاقبة بعد ذلك.

بعد إعلان المبادىء سرت بين معظم الفلسطينيين مشاعر سعادة غامرة في حين أن البعض عارض هذه الخطوة. وما لبث الناس أن نزلوا للشارع للتعبير عن فرحتهم وسرورهم اعتقادا منهم أن هذا هو نهاية الاحتلال الإسرائيلي وبخاصة أن الاتفاق حدد فترة زمنية لحل القضايا المؤجلة كالقدس واللاجئين والمستوطنات والأمن والحدود، حتى أن البعض قذف جنود مضطهديهم وجلاديهم بالورود في حركة مبالغ فيها ومتطرفة ولكنها كانت تعبر عن توق الفلسطينيين من الخلاص من الاحتلال وتحقيق سلام دائم.

المهم أنه بعد أوسلو استقبل المرحوم الرئيس عرفات استقبال الأبطال والفاتحين وكذلك استقبل رجال منظمة التحرير الفلسطينية وتوحد الداخل بالخارج. وقدم الشعب الفلسطيني كل ما يلزم للعائدين من غذاء وكساء ومأوى حتى شفرات الحلاقة !!

وفي ذلك الوقت كانت هناك إشادة كبيرة بل عاطفية بأوسلو وتداعياته بعد أن اتضحت مواثيقه. وقلّ من انتقد أوسلو آنذاك، لأن معنى ذلك أنه ينتقد القيادة الفلسطينية التاريخية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي صنعت ووقعت على الاتفاق، بل ضاعت صرخات المنتقدين كإدوارد سعيد والرئيس حافظ الأسد وكيلت لهم الاتهامات، في وسط الزحام الحماسي المؤيد لأوسلو.

أقول هذا الكلام بعد مراجعة الأدبيات وقراءتها وسماع الفضائيات التي تكتب وتقال هذه الأيام في حق أوسلو واتفاقياته. فجميع الكتاب تقريبا تشجب أوسلو وتلعن يوم أوسلو وتترحم على ما سبقها من الأيام. وتنسى هذه المجموعة أنها كانت السباقة في مدح وإطراء أوسلو وبيان إيجابياتها. بل كانت هذه المجموعة تتسابق للظفر بميزّة هنا أو هناك، وكانت تصطف طوابير لتعيين أو ترشيح أو توقيع أو هدية أو وعد أو ظفر مالي.

ولم تترك هذه المجموعة مكانا خلقه أوسلو لم تحاول الالتحاق به، ورشحت نفسها للانتخابات البرلمانية أو لبلديات او غرف تجارية أو نقابات مهنية تحت شعار وراية أوسلو. المشكلة في الشاجبين والمادحين تكمن في ازدواجية المعايير فما يقبلون هو أرض للمديح وما يرفضون أرض للشجب وكله من منطلق شخصي ذاتي. علماً أن السلطة الوطنية الفلسطينية ما زالت تتمسك بأوسلو وبخاصة ( مزاياه المالية ) رغم بيان عيوب أوسلو وقصورها وآثارها السلبية، لكن المشكلة في طرح البديل .

المشكلة هي من شقين أننا لا نقرأ ولا نعدل أو نلغي. بكلام آخر لو كان المفاوض الفلسطيني الذي لا يشق له غبار قد قرأ وفحص اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل لما كانت أوسلو بهذه الدرجة من التشوه والسوء.

لقد أعلن فاحص أوسلو القانوني المحامي ( يوئيل زينغر ) في مقابلة صحفية وأشدد على القانوني أيها السياسيون، أنه حينما تم استدعاؤه لصياغة الاتفاق كان في ذهنه كامب ديفيد مع المصريين. ونحن لم نفحص هذه الاتفاقية من ناحية قانونية بل كان هناك تهميش للقانونيين وتم إحضار شخص مصري قبل توقيع الاتفاق بست ساعات فقط لمراجعته وكأننا نتعامل مع اتفاقية إيجار أو بيع أو مزارعة.

وفوق ذلك كان هناك خلاف خطير بين رئيس منظمة التحرير الفلسطينية وبين رئيس الجانب المفاوض ورئيس المفاوضين وبخاصة في الجانب الاقتصادي وعدم معرفة المطلوب بشكل محدد ودقيق وبالتالي ضاع المفاوض الفلسطيني الصغير في ثنايا الخلافات.

اضف أن بعض المفاوضين الفلسطينيين وأشدد على بعضهم، لحداثتهم في قضايا المفاوضات قد كان يود تحقيق نصر شخصي أو فوائد ذاتية أو تسويقا لذاته على حساب زملائه. هذا فضلاً عن الذاتية والمحسوبية في اختيار ما يسمى بالخبراء والتعامل بطريقة غير لائقة وغير كريمة.

الشق الثاني من المشكلة هو أن هذه الاتفاقية هي معاهدة دولية لأنها معقودة بين منظمة تحرير ودولة إسرائيل لمدة معينة وضمن شروط وصلاحيات، فبعد انتهاء المدة ماذا بعد ضمن قانون فينا للمعاهدات الدولية؟. وهل قرأ خبراؤنا هذه الاتفاقية وبماذا نصحوا الجهات الرسمية. كل مشروع في الدنيا يجب مراجعته خلال فترة زمنية، ومن باب أولى أتفاقية تتعلق بالوطن ومصيره.

المشكلة انك تسمع رأيا عجبا فمرة يقال أن أوسلو ملغاة ومرة أخرى يقال أنه في حكم الملغى أو أنه يجب مراجعته أو يجب تعديله أو يجب تجميده. وكأن الموضوع عاطفي لا تحكمه قواعد عامة.

السؤال المطروح لماذا تأخرنا لأكثر من ربع قرن لطرح هذا الموضوع وإيجاد الحلول له أم أننا مجرد صدى ومتلقين لما تقرره الآلة الإسرائيلية؟!

يجب ان يتوقف الفلسطيني عن التعامل بعاطفية و/أو غيبية و/أو عشائرية بقضايا الوطن كما حصل في أوسلو رغم الظروف السياسية والاجتماعية القاهرة التي كانت تلاحقه. وفي نفس الوقت يجب إعادة فحص هذه الاتفاقية، من خبراء دوليين ومحليين موثوقين، في أمر كان محلا للشجب والإطراء في مناسبات مختلفة وعديدة، فلكل عالم هفوة، ولكل جواد كبوة، وحتى هوميروس يخطىء أحيانا !!!