إجراءات ترامب المصيرية ضد الفلسطينيين.. تركيع أم تصفية قضية؟

بكين- "القدس" دوت كوم- قبل 25 عاماً وتحديداً في 13 ايلول/سبتمبر عام 1993، وقف العالم بأسره مشدوها أمام صورة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحق رابين، والرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، وهم يوقعون اتفاق أوسلو للسلام في البيت الأبيض.

نفخت الصورة الأمل في إحلال السلام والاستقرار في منطقة عز عليها ذلك، وعانقت آمال الفلسطينيين السماء في إقامة دولة خاصة بهم تكون عاصمتها مدينة القدس.

لكن الرياح لم تأت بما تشتهي سفن الشعوب. فقد قتل رابين ومات عرفات، وتبخرت آمال محبي السلام تدريجيا مع مرور الوقت.

وفي الذكرى الـ25 لاتفاق أوسلو، تبدو الصورة حاليا في غاية القتامة وسط قرارات صعبة ومصيرية اتخذتها ولا تزال الإدارة الأمريكية الحالية.

فبعد قراره المثير للجدل بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل في 6 كانون اول/ديسمبر 2017، ثم نقل السفارة إلى القدس، قرر الرئيس دونالد ترامب قطع تمويل وكالة "أونروا" لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وأغلق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وبعدها بأيام معدودة تم إلغاء تأشيرة إقامة السفير الفلسطيني وعائلته في الولايات المتحدة.

وبين هذه القرارات المتعاقبة، أوقفت الولايات المتحدة الأمريكية، أكبر الممولين الماليين للسلطة الفلسطينية، مخصصات مالية مهمة للفلسطينيين، بما في ذلك التزامات مالية تقدم لمستشفيات في القدس المحتلة.

في الضغط الاقتصادي والسياسي تبدو هناك محاولة لتركيع القيادة الفلسطينية. لكن في ذلك خطر ينذر بـ "عواقب وخيمة".

نتيجة للعقاب الاقتصادي، ستواجه السلطة المثقلة بأعباء أصلا مشاكل كبيرة في تمويل نفقات رواتب موظفيها وتلبية احتياجات مواطنيها، ما سيؤثر على الحركة التجارية والأسواق والاقتصاد.

ومن جهة أخرى، سيحرم النقص المالي الحاد الذي يواجه "أونروا" اللاجئين من خدمات التعليم الأساسية والرعاية الصحية والأمن الغذائي، مما سيعمق" معاناتهم الإنسانية".

عقوبات واشنطن تمس وترا حساسا "شرايين حياة" في وقت ينبغي أن يترك فيه للفلسطينيين بدائل وخيارات أكثر حتى" لا يسقط غصن الزيتون تماما من أيديهم".

عندما أغلقت مكتب منظمة التحرير تذرعت الإدارة الأمريكية بانتقاد السلطة "خطة سلام" قبل الإطلاع عليها ورفض القادة الفلسطينيين إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. إذا كان الأمر كذلك، كان من الأولى أن تتخذ إجراءات تقرب الفلسطينيين من طاولة التفاوض وليس إبعادهم عنها.

من الأركان الأساسية لأي حوار توافر أطرافه. وأساس أي صفقة هو قبولها من قبل جميع الأطراف. فلا يستقيم أن يكون هناك اتفاق سلام في غياب الشريك الفلسطيني المعني أولا وأخيرا بقضيته، إلا اذا كانت الولايات المتحدة تهدف إلى فرض ما يسمى بـ"سلام القوة".

وفي منطق "سلام القوة" إعلاء لصوت المواجهة والتصادم، وهدم لصوت التوافق والحوار البناء والمساواة، وانتهاك أيضا للقرارات الدولية. وإن ولد حتى سلام بهذا الشكل سيكون مشوها ومبتورا ولن يدم أبدا.

إن القضية الفلسطينية هي جوهر قضايا الشرق الأوسط. ويتوقف على حلها قضايا عديدة تعاني منها المنطقة. لا استقرار بالإقليم إذا لم يوضع حل عادل للقضية الفلسطينية-الإسرائيلية. حقيقة مسلم بها.

ولحلها، بين أمور أخرى، لاينبغي لأي طرف كان أن يمنح نفسه حق إصدار قرارات أحادية مصيرية تصب في اتجاه ما يخشاه الجميع -تصفية القضية الفلسطينية.

فالقدس وحق العودة وحل الدولتين من قضايا الحل النهائي بالتوافق الإقليمي والدولي. وقد اعتبر نقل السفارة على نطاق واسع بمثابة ضربة مبدئية لخيار التسوية المتفق عليها. ويخشى البعض أن يكون قطع الدعم عن اللاجئين الذين تساعدهم أونروا مقدمة لعدم الاعتراف بهم ومنعهم من حق العودة.

وأخيرا وليس آخرا، في الإنهاء السياسي لوجود منظمة التحرير الفلسطينية، صفعة لمبدأ الاتصال والحوار من أجل استئناف محادثات السلام. وفي التخلي عن الحوار مغامرة كارثية غير مأمونة العواقب. الكل فيها بلا استثناء خاسر.