عاملات يسردن صورا عن معاناتهن في سوق العمل الاسرائيلية

جنين - "القدس" دوت كوم - علي سمودي - قبل أن تشرق الشمس تغادر المواطنة أم عفيف منزلها في احدى قرى جنين ، لتواصل رحلة التعب اليومية في المزارع الاسرائيلية القريبة من مدينة العفولة لتؤمن لقمة عيش كريمة لعائلتها التي توالت النكبات بحياتها منذ فاجعة رحيل زوجها قبل سنوات مخلفا ثلاثة أطفال أكبرهم 12 عاماً وأصغرهم 8 سنوات.

الصبر والمعاناة

"شو أجبرك على المر غير الأمر منه ".. قالت أم عفيف خلال انتظارها قيام قوات الاحتلال بفتح بوابة معبر الجلمة غرب جنين للعبور لمكان عملها مع مجموعة من الامهات المكافحات، وتضيف " قبل سنوات اصيب زوجي بجلطة جعلته طريح الفراش فعانينا الكثير لأنه لم يكن لنا مصدر دخل سوى عمله في الداخل بمجال البناء ، وقد عشنا حياة جميلة لأنه كان يحصل على راتب ممتاز "، وتكمل " لم نحتج يوماً لأحد ، لكن ظروفنا ازدادت سوءاً بعد مرضه وما دفعناه من مصاريف لعلاجه حتى تراكمت علينا الديون ولم نعد قادرين على دفع أجرة المنزل "، وتتابع " توجهنا لكافة الجهات المعنية ولم يساعدنا أحد ، ورغم فقرنا كان يرفض زوجي حياة التسول والشفقة ، لكن لعدم اكمالي تعليمي لم اتمكن من ايجاد أي عمل في جنين ".

الكفاح والتعب

في ظل تدهور الاوضاع المعيشية للعائلة ، لم يبق أمام أم عفيف خيار سوى البحث عن عمل ، وتقول " عملت بعدة مهن في جنين ، لكنها لم تكن منتظمة والراتب سيىء جداً ، فتعرفت على نساء يعملن في الداخل ، وبصعوبة وافق زوجي لمعرفته بطروف العمل الشاقة في الداخل ، لكن لم يكن أمامنا خيار بديل "، وتضيف " تدهورت حالة زوجي بسبب تعرضه لجلطات متتالية ، فكانت وفاته فاجعة كبيرة لنا ، لكنني واصلت العمل في مزرعة قرب العفولة ، ورغم ان العمل شاق ومتعب لكني صبرت وتحملت من أجل لقمة عيش اطفالي وتربيتهم وتعليمهم " ، وتكمل " كل يوم أصلي الفجر واغادر المنزل حتى لا أتاخر عن العمل بسبب القيود المشددة التي نخضع لها من قبل اصحاب العمل الاسرائيليين ، فهم لا يراعون ظروفنا التي يكون سببها اجراءات الاحتلال على الحاجز التي تعيقنا ، فالجنود يتعمدون أحياناً تأخير العمال بشكل عام بطريقة متعمدة "، وتتابع " نعمل بالمياومة ، ويرفض صاحب العمل تسجلينا وتأميننا ولا يوجد لنا أي حقوق ، ومفروض علينا العمل بشكل مستمر 10 ساعات يومياً مقابل أجرة 50 شيكلا ، والحمد لله أمورنا مستورة ومستعدة لتحمل كل شيء من أجل أطفالي ".

صور أخرى

تشكل أم عفيف نموذجاً للنساء المكافحات اللواتي يتحدين الظروف القاهرة في العمل والرواتب المتدنية في سبيل أسرهن ، فالمواطنة أم جميل ، تعمل في مصنع للمعلبات في الخضيرة ، وتشتكي من التمييز في المعاملة والاجور ، وتقول " يوجد في المصنع عاملات فلسطينيات واسرائيليات ، وهناك فرق كبير رغم اننا نتعب ونعمل أكثر وليس أمامنا أي خيار سوى الموافقة والتحمل حتى لا نطرد ونخسر العمل "، وتضيف " لدي عائلة مكونة من 6 أنفار ، ووحدي من يتحمل المسؤولية فكل أبنائي طلاب مدارس وزوجي يعاني من اعاقة وامراض نفسية وما نحصل عليه من مساعدة لا يوفر أجرة منزلنا البالغة 600 شيكل يضاف اليها قيمة فواتير الكهرباء والمياه وغيرها ".

وتكمل " لسوء حظي ان عائلتي زوجتني قبل اكمال تعليمي ، وعندما مرض زوجي لم اتمكن من ايجاد عمل في جنين ، ومنذ التحاقي بالمصنع في الخضيرة تحسنت اوضاعنا المعيشية قليلاً لكن لا يوجد عدالة في التعامل معنا "، وتكمل " منذ 7 سنوات أعمل بأجرة 50 شيكلا بالمياومة ولا تحسب الاجازات مثل الاغلاق في الاعياد الاسرائيلية وحتى في الحالات المرضية ، بينما العاملة الاسرائيلية يتجاوز دخلها اليومي 100 شيكل وتحصل على كافة حقوقها رغم انها تعمل 8 ساعات ونحن نعمل 11 ساعة ".

وتتابع " العمل الشاق والصعب يتم تكليفنا به ولا يمكننا التذمر والشكوى واذا تعرضنا لاي حوادث تتملص الشركة من المسؤولية ولا يحسب لنا أي اجرة اذا اضطررنا للاجازة ، فنظام التأمين لا يشملنا ولكن في النتيجة ليس أمامنا خيار سوى الصبر والاحتمال حتى لا نفقد العمل ".

ممارسات تعسفية

وتواجه العاملات ظروفا صعبة خلال التنقل عبر المعابر الاسرائيلية بين جنين والداخل الفلسطيني ، وتقول العاملة أم سعيد " رغم حصولنا على تصاريح وبطاقات ممغنطة ومعرفة الجنود على المعابر بالتزامنا باوقات دوام محددة ، فانهم يتعمدون احتجازنا وتأخيرنا رغم اننا نصل لمناطق العبور في وقت مبكر جداً "، وتضيف " أحيانا ، يحتجزنا الجنود بدعوى التبكير في الوصول ويتعمدون تأخير دخولنا ساعة أو ساعتين نخسرها من يوميتنا لان صاحب العمل الاسرائيلي لا يراعي أو يهتم بظروفنا رغم انه يرغمنا على العمل لنفس عدد الساعات لكنه لا يحسبها ويخصم قيمتها من أجرتنا ".

وتكمل " في بعض المرات ، يزعم الجنود التدقيق في التصاريح ، مما يتسبب بتأخيرنا عدة ساعات بشكل متعمد ونرغم على الانتظار في الحر الشديد دون مراعاة للظروف ، لكن المأساة الكبرى ، بعد المرور والوصول لمكان العمل رفض صاحبه استقبالنا والسماح لنا بالعمل وارغامنا على العودة لنخسر اجرتنا ونتكبد مصاريف المواصلات ".

ظروف صعبة

مثل الكثير من العاملات ، تعتبر أم سعيد ، المسؤولة عن رعاية أسرتها ، وليس أمهامهن خيارات سوى الخضوع لهذه القيود والاجراءات التعسفية ، وتقول " الجميع يستغل ظروفنا واوضاعنا المعيشية ، جنود الاحتلال على المعابر يتفننون في عقابنا وارباب العمل لمعرفتهم حاجتنا الماسة للعمل "، وتضيف " أنا المعيلة الوحيدة لعائلتي المكونة من 5 أنفار ، فزوجي بترت قدماه بسبب المرض ، وبعد معاناة كبيرة وجدت عملا في مؤسسة للتشغيل لها عدة فروع بالداخل ولم يكن حصولي على التصريح سهلاً "، وتكمل "نعمل ساعات طويلة بأعمال شاقة في تنظيف منازل ومصانع ومنشآت وراتبنا متدن مقابل العاملات الاسرائيليات والاهم ان القانون لا يشملنا وليس هناك تأمين لنا "، وتكمل " نتحمل كل هذا الواقع ، لكن ما يفاقم معاناتنا تكرار الممارسات التعسفية بشكل مستمر على المعابر التي تتحول لنقاط اذلال وعذاب ومعاناة مريرة ، لكن في ظل ظروفنا الصعبة ولنحافظ على عملنا علينا أن نتحمل حتى لا نفقد العمل ".