العالم في 18 أيلول 2018

بقلم د. أماني القِرم

هل تذكرون كم ضحكنا على تصرف العقيد معمر القذافي في أيلول من العام 2009 حين خطب طويلاً في الجمعية العامة للأمم المتحدة وقام بتمزيق ميثاقها، وشبّه اجتماعاتها "بالهايد بارك" المتنزه الشهير في لندن، ووصفها بأنها منبر للخطابة فقط ؟

في 18 أيلول الجاري سيجتمع زعماء العالم المختلفين تحت سقف قاعة واحدة في إطار الدورة 73 للجمعية العامة للأمم المتحدة. وعلى الأغلب هم مشغولون الآن بتجهيز خطاباتهم المؤثرة التي تعرض رؤيتهم وأجنداتهم السياسية. ولا مانع من التباري لكسب الأضواء فالصورة والكلمة هي البطل في هذا المهرجان العالمي..

أما خارج القاعة.. يترك الزعماء وراءهم عالماً غريب الشكل، متأرجح التوازن بين النظام والفوضى لصالح الفوضى .. فهل من الممكن أن تتمخض نقاشات الزعماء عن اتفاق لوضع أسس لإعادة ترتيب النظام العالمي؟؟

المعروف أن النظام الدولي هو مجموعة من القواعد والمعايير التي تحكم الكيانات الأساسية المكونة للبيئة الدولية في فترة زمنية معينة، والسمة التي تميز النظام عن الفوضى هي الاستقرار والنمطية، بينما شرعيته تستمد من اعتراف الكيانات الدولية بأن المشاركة فيه تصب في صالحها....

وعادة ما يتم ولادة نظام دولي جديد بعد حدث جلل يترك آثاره على العالم كله .. كحرب مدمرة أو صراعات شرسة تغير من الطبيعة الجغرافية والديموغرافية لمناطق شاسعة ومهمة، وتنتج موازين قوى جديدة .. فمثلاً تمخضت الحرب العالمية الثانية عن أفول قوى كألمانيا وفرنسا وبريطانيا وبروز قوتين أخريين هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وعليه ظهر نظام ثنائي القطبية الذي قسم العالم بين معسكرين شرقي وغربي. كذلك بعد سقوط الاتحاد السوفيتي أواخر الثمانينيات وتفتت دوله، بقيت الولايات المتحدة مهيمنة على قمة الهرم العالمي فيما عرف بنظام أحادي القطبية والذي فشلت الولايات المتحدة في تحمل عبئه وحدها.

فخلال العقود الثلاثة الماضية حدثت تحولات في العالم بفعل ثلاثة عوامل: الأول هو الانتشار الهائل للثورة التكنولوجية والرقمية. والثاني تصاعد أهمية الاقتصاد والمصالح على حساب العقائد والأيديولوجيات. بينما يتمثل الثالث في ظهور كيانات عابرة للقارات ليست بدول، ولكنها قادرة على التأثير بفاعلية كبيرة في مسار الأحداث العالمية نتيجة قوتها داخل الدول وتشابكاتها الدولية. هذه التغيرات قادت إلى تغيير في المفاهيم وفي تركيبة القوة في العالم لتتجاوز المسألة حدود السياسة. بل أصبح جلياً الفجوة ما بين السياسة والمصالح الاقتصادية ورموزهم الدولية. فالاقتصاد بات مخترقاً الحواجز والحدود، في حين أن بنية العالم السياسية استمرت تستند على مفاهيم قديمة عفا عليها الزمن . والمثال واضح في فرق القوة بين صندوق النقد الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة ولكم أن تعرفوا قدرة كل منهما على التأثير في العالم وأهله.

الحصيلة حين يجتمع الزعماء في 18 أيلول: خيبات أمل اقتصادية متلاحقة تصيب شعوب العالم النامي. تراجع قيمة وثقل المؤسسات والأعراف الدولية حتى تكاد تختفى واقعياً عن الفعل لصالح مراكز القوى العالمية وتحالفاتها شديدة الضبابية، فأصبحت لا تعرف من مع من؟ وأية معايير تحكم هذا التحالف؟. العصبية والاستقطاب تحكم المشهد العالمي إثر غياب الحكمة السياسية للقيادة الأمريكية التي كانت في الماضي ضرورية لحفظ السلام العالمي، فاليوم توجد إدارة بارعة في البيت الأبيض في فرض العقوبات والاشتباك مع كل منظومة دولية، كان آخرها تهديد جون بولتون مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي بمعاقبة المحكمة الجنائية وقضاتها في مشهد ساخر ومعبر عن غياب النظام.

سوريا واليمن وفلسطين هم أبرز الضحايا للواقع الدولي الحالي وسيستمرون ... رغم الخطابات الملتهبة التي سنسمعها.. فهل يا ترى كان مصيباً القذافي حين مزق الميثاق ؟؟ ربما ينظر إلينا اليوم ضاحكاً من فوق!!

amaney1@yahoo.com