سياسات أمريكية خطرة ومستهترة

بقلم: جيمس زغبي

أزالت الولايات المتحدة مسألة مدينة القدس من جدول أعمال المفاوضات. والآن، في استعراض خطر للاستخفاف، أعلنت عن نيتها تكرار الأمر ذاته، في ما يتعلق بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم.

جاءت أول إشارة إلى هذا التوجه الأمريكي، مع إعلان واشنطن أنها ستعلق جميع مساعداتها إلى وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وهي الوكالة التي أنشئت من أجل معالجة الاحتياجات الإنسانية للفلسطينيين الذين أُرغموا على هجر ديارهم في 1948 ثم في 1967.

وفي الآونة الأخيرة، أيدت الإدارة الأمريكية سعي أعضاء في الكونجرس، لحصر وضع «اللاجئين» في أولئك الفلسطينيين الذين كانوا ضحايا التهجير القسري في 1948؛ أي من دون نسلهم.

وحيث إن إسرائيل كانت دائماً تتبرأ من مسؤوليتها عن أزمة اللاجئين الفلسطينيين، وترفض الاعتراف بحق أولئك الفلسطينيين الذين طردوا من ديارهم عام 1948 في العودة، فقد وصف كاتب إسرائيلي، سعي الولايات المتحدة إلى شطب مسألة اللاجئين بأنه: «حلم أصبح حقيقة». كما أن وزيراً في حكومة بنيامين نتنياهو، احتفل بهذا التوجه الأمريكي الجديد قائلاً: إن «الولايات المتحدة أصبحت الآن، بعد طول انتظار، تقول الحقيقة بشأن الكذبة العربية التي كان يروج لها على مدى عقود.. والآن، ليس هناك أي سبب يجعلهم (الفلسطينيون) يحلمون بالعودة».

وتدعي إسرائيل أنها لا تتحمل أي مسؤولية بشأن اللاجئين الفلسطينيين. وفي الواقع، سعى الإسرائيليون إلى تبرئة أنفسهم من خلال تلفيق «وقائع بديلة»، وادعائهم بأن الفلسطينيين «هجروا ديارهم طوعاً»، أو أنهم تلقوا أوامر بالرحيل من الجيوش العربية الزاحفة (في حرب 1948).

غير أن تفحص السجل التاريخي يبيّن أن القيادة السياسية لليهود، نفذت خطة مرسومة من أجل «تطهير» مناطق بأكملها من سكانها العرب، بهدف إقامة دولة يهودية تكون أكبر مساحة مما نص عليه قرار التقسيم الذي أصدرته الأمم المتحدة، وتضم أعداداً أقل من السكان العرب.

ويشمل هذا السجل أقوال زعماء يهود: إيغال آلون (قائد البلماخ، أو الجيش اليهودي): «قررنا أنه من الضروري تطهير الجليل الأعلى، حتى تكون كل هذه المنطقة يهودية.. ومن أجل هذه الغاية، جمعنا كل المخاتير اليهود، وقلنا لهم أن يبلغوا العرب بأن تعزيزات عسكرية يهودية كبيرة وصلت إلى الجليل، وستحرق جميع بيوت العرب. وقلنا لهم أيضاً أنْ يحذروا العرب من أن لديهم وقتاً قليلاً فقط للرحيل، قبل أن تصل القوات العسكرية. وهذا الأسلوب حقق هدفه كلياً».

ديفيد بن جوريون (أول رئيس وزراء لإسرائيل)، يقول متحدثاً عن خطة لتوسيع مساحة «الدولة اليهودية»، وتقليل عدد السكان العرب فيها: «هذه العمليات يمكن تنفيذها على النحو التالي: إما بتدمير القرى، وإما بتطويقها ثم اقتحامها. وفي حال كانت هناك مقاومة، سيتعين على القوات المسلحة أن تسويها بالأرض، وتطرد سكانها إلى خارج حدود الدولة».

مناحيم بيجن (قائد منظمة «إرجون» اليهودية العسكرية): «جعلنا العرب يصدقون روايات عن مجازر الإرجون، ما أصابهم بالهلع ودفع بكثيرين منهم إلى الفرار.. ومن بين نحو 800 ألف عربي كانوا يعيشون في الأراضي الحالية لدولة إسرائيل، بقي فقط 165 ألفاً».

على ضوء هذه الوقائع، أعمال وسياسات الولايات المتحدة حالياً ليست فقط مستهترة وخطرة؛ بل إنها أيضاً قاسية وعديمة الإحساس. كما أنها تنتهك القانون الدولي والمواثيق الدولية.

ونحن نرى اليوم بعض المحافظين (في الولايات المتحدة)، وهم يمجدون الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وخصوصاً بنده ال18 المفضل لديهم، والذي يضمن حرية المعتقد، بينما هم يتجاهلون عمداً بنوداً أخرى، مثل البند 13/2: «كل إنسان له الحق في هجر أي بلد، بما في ذلك بلده، وله الحق في العودة إلى بلده».

وعلاوة على ذلك، هناك قرار الأمم المتحدة للعام 1948، الذي يؤكد «حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم»، وهو القرار الذي كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة تؤكده مراراً بأغلبية كاسحة.

بالاتفاق مع "الخليج"