الآن زمن الفلسطينيين للتحكم بعملية السلام

بقلم: جيروم م .سيغال

أصابت منظمة التحرير الفلسطينية عندما شجبت قرار إدارة ترامب وقف تمويل الأونروا على أنه هجوم على الشعب الفلسطيني، وجزء من جهود الإدارة لإجبار الفلسطينيين على الموافقة على خطة ترامب، صفقة القرن التي لم تعلن بعد.

ويأتي هذا التعدي على اللاجئين بعد تباهي السيد ترامب "بإزالة القدس عن طاولة المفاوضات،" الأمر الذي أوضح بجلاء أن إدارة ترامب لم تتخل فقط عن أي ذريعة بأن تكون "وسيطا نزيها" في إدارة عملية سلام، لكنها توهمت في الإعتقاد بأن الضغوط المالية قد تجبر الفلسطينيين على التخلي عما أسماه ياسر عرفات "العدالة النسبية،" التي تعتبر إحدى متطلبات السلام الدائم، والتي تمنح الفلسطينيين أقل من العدالة الكاملة التي يؤمنون أن قضيتهم تمنحهم إياها، لكن على الأقل ما يكفي من عدالة لصنع السلام بكرامة.

ويبدو أن الاستراتيجية الحالية لمنظمة التحرير الفلسطينية تتمترس حول قول "لا" وانتظار مغادرة إدارة ترامب. ويمكن للمرء أن يضيف انتظار مغادرة حكومة نتنياهو. وبعيدا عن هذا الموقف السلبي، قد يتساءل المرء: لماذا يفترض أنه في كلتا الحالتين، سيحل ما هو أفضل من ترامب ونتنياهو؟ فبالنسبة لاسرائيل، ومع تنامي اليمين، لا يصعب الآن رؤية نتنياهو يحتل مركز اليمين وحتى داخل حزبه، ناهيكم عن الإئتلاف العريض، فهو لا يحتل الموقع المتطرف. وتتجه اسرائيل نحو الضم الكامل، ومن المرجح في أي سيناريو، أن تكون هذه سياسة الحكومة الإسرائيلية القادمة.

وإذا كان الضم قادما، فكيف سيتوقف اذا ما حظي بمباركة الولايات المتحدة. فترامب رفض تبني حل الدولتين. وماذا بعد؟ من يدري؟ الرئيس بينس؟

فكرتي بسيطة: من غير الملائم تبني استراتيجية التمترس في الدفاع عن المصالح والحقوق الفلسطينية، وانتظار مرور العاصفة الحالية. فما هو البديل؟

البديل يتلخص في انتقال الفلسطينيين الى الهجوم، لابعاد عملية السلام عن الأميركيين، لغرض تدويلها في إطار الأمم المتحدة، والقيام بذلك بطريقة لا تمكن إدارة ترامب أو إدارة نتنياهو من إحباطها. فعلى الفلسطينيين المبادرة بعملية سلام تسعى حقا الى حل النزاع، واسناد ذلك الحل الى "العدالة النسبية." وعلى الفلسطينيين الإدراك أن رؤيتهم للعدالة لا تتماثل مع العدالة الأكثر مثالية الموجهة للإسرائيليين، وبأن لا أحد يمكنه الحصول عليها كاملة، وبأن السلام يرتكز على العدالة. فحتى مع العدالة، يتعين التسوية حول كيفية النظر اليها من قبل الطرفين.

قد يقول الجميع "نعم." لكن كيف سيتم إنجاز ذلك؟ وما هي الاستراتيجية؟ الجواب هناك منذ عدة سنوات. فقد ناقشته شخصيا مع الرئيس محمود عباس قبل أربع سنوات، ويتكرر تناوله في الدوائر الداخلية. فهو معروف جيدا لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وبكل بساطة ينتظر قرارها لالتقاط الكرة والركض بها.

ما الذي أشير اليه؟ لقد تحدثت عنه عقب عملية أوسلو للسلام وجرى اقتراحه في مقالة نشرت في صحيفة "نيويورك تايمز" قبل عدة سنوات، كتبها الحاصل على جائزة نوبل ثوماس شيلينغ، ووزير الخارجية الإسرائيلي السابق شلومو بن عامي، إضافة الى الرئيس السابق للدبلوماسية الأوروبية خافيير سولانا وأنا شخصيا.

والرسالة في محتوى اليوم بسيطة جدا: اذهبوا الى الجمعية العامة للأمم المتحدة وأعيدوا تشكيل لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين (الأنسكوب) التي تعود للعام 1947. وكلفوا الأنسكوب بإعداد اتفاق مفصل للوضع النهائي ورفعه الى الجمعية العامة، وفي حال توقيعه سينتهي النزاع. ولا يتعين إعداد هذا الإتفاق مبدئيا لسد الثغرات بين الحكومة الإسرائيلية الحالية ومنظمة التحرير الفلسطينية، إنما الى زيادة إمكانية قبوله من قبل الشعبين. ومن خلال القيام بذلك، يتعين الإضافة على المقترح الأصلي بأن شروطه المرجعية ستكون مبادرة السلام العربية.

يذكر أن المرة الوحيدة عبر التاريخ التي قامت بها الأمم المتحدة بوضع خطة مفصلة لإنهاء الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني كانت في تشرين ثاني 1947، بعد العمل الذي قامت به الأنسكوب، والذي بدأ قبل ذلك بستة أشهر عندما مررت الجمعية العامة قرار التقسيم التاريخي والذي لم يدع فقط إلى تقسيم فلسطين الى دولتين، إنما حدد تفاصيل الحدود والنظام الدولي في إطار الأمم المتحدة لمدينة القدس، كما فصل هياكل متعددة تعيش عندها الدولتين جنبا الى جنب، والتي من خلالها يحظى الشعبان بحقوق متنوعة ما يسمح لهم بدرجة من الحرية حتى داخل الدولة الأخرى.

لم يشكل مجلس الأمن الدولي الأنسكوب، فالجمعية العامة أنشأتها كما أنها هي التي مررت قرار التقسيم رقم 181. النقطة الجوهرية هنا، أن بإمكان الفلسطينيين الآن وخلال جلسة الربيع للجمعية العامة للأمم المتحدة، الذهاب الى الجمعية مع مقترح إعادة تشكيل الأنسكوب، علما أنها تشكلت من ممثلي استراليا وكندا وتشيكوسلوفاكيا وغواتيمالا والهند وإيران وهولندا والبيرو والسويد والأوروغواي إضافة الى يوغوسلافيا. ويحتمل تسمية أعضاء جدد، لكنني أفضل الأعضاء الأصليين، ليس لكون اللجنة متوازنة نسبيا، وإنما لأنها تضم إيران على وجه الخصوص. وكواحدة من الأعضاء الـ 11 لن يكون لإيران القدرة بأن تلعب دور "المفسد،" لكن ستحظى بفرصة أن تكون صانعة سلام بناءة. وأراهن بأن تكون إيران على قدر المسؤولية، لتقدم تحولا كبيرا في المنطقة ككل لبعثة الأنسكوب، كما ستزيد من التأثير في حال طرح مقترح بالإجماع.

بإمكان الأنسكوب الحضور الى المنطقة والقيام بما فعلته عام 1947 وبقوة أكبر، حيث يمكن أن تستمع لشهادات وأن تدعو أي فصيل أو جميع الفصائل للشهادة. كما يمكنها الذهاب الى مخيمات اللاجئين في فلسطين وفي البلدان الأخرى. وبامكانها الذهاب الى غزة إضافة الى التواصل مع اليمين الإسرائيلي. فيمكن القيام بكل ذلك علنا، وتغطيته إعلاميا وبثه حيا ومباشرا عبر التلفاز. وللحكومة الإسرائيلية حرية مقاطعة العملية إذا رغبت في ذلك. ففي عام 1947، ارتكبت القيادة الفلسطينية هذه الغلطة، لكنها لم توقف الأنسكوب إنما حدت من فهمها لوجهة النظر الفلسطينية. فإذا قام الإسرائيليون بفعل نفس الشيء، فليكن.

في نهاية المطاف، المهم مسألتين: هل ستأتي الأنسكوب بخطة حقيقية للسلام العميق، بخطة ليس فقط لاتفاق سلام، وإنما خطة إنهاء الصراع؟ وثانيا، عندما تعرض للعالم هكذا خطة، فهل سيقول الفلسطينيون بدون غموض "نعم"، فهذه النقطة الأخيرة هي الأكثر أهمية.

ففكرة السلام لا تؤخذ بجدية في المجتمع الإسرائيلي. فالقليل منهم يؤمنون بإمكانية ذلك. فهذه ليست قضية حكومة نتنياهو. فالإنسان الاعتيادي لا يؤمن بحقيقة امكانية ذلك. وهذا هو العائق الأكبر الذي يجدر التعامل معه، والطريقة الحاسمة الوحيدة للتعاطي مع هذه القضية تتلخص في قول الفلسطينيين "نعم" ليس لفكرة السلام، وليس لبعض عناصر المفاوضات، إنما "نعم" لاتفاق سلام كامل ومفصل. ويحتاج الفلسطينيون الى عملية تتيح لهم الوصول الى النقطة التي يقولون عندها: نحن جاهزون للتوقيع على هذه الوثيقة الآن. فهل سيكون هناك سلام؟ يعود الأمر لكم.

وبديل ذلك، ففي حال لم تتمكن الأنسكوب من الحصول على "نعم سنوقع" بدون غموض، فعندها على الفلسطينيين القول للإسرائيليين: "دعونا نجلس لمدة ستة أشهر لنرى إذا كان بامكاننا التفاوض على تحسينات متفق عليها بشكل ثنائي، لكننا جاهزون للبدء بهذه الخطة كمسودة أولى. فهل ستنضمون إلينا؟".

لكن من سيتحدث نيابة عن الفلسطينيين؟ وأية "نعم" ستكون ذات معنى ويمكنها إحداث التحول؟ أرى فقط جوابا واحدا، والقضية لا تتمثل في إيجاد سادات جديد ليلقي خطابا. إنما هي رسالة من الشعب الفلسطيني ككل، رسالة تقول "سنصنع سلاما دائما وفق هذه الشروط على وجه الخصوص." وهناك طريقة وحيدة لحدوث ذلك: فعندما تعرض الأنسكوب انتاجها: اتفاق سلام مفصل يستند الى خطة السلام العربية، اتفاق يمكنه تحقيق العدالة النسبية، فيتعين طرح ذلك الإتفاق لاستفتاء عموم الشعب الفلسطيني. وهذا يشكل القرار الحاسم، حيث يجتاز عقودا من المحادثات والهراء.

ويجدر التذكير أن حماس ألزمت نفسها بالإلتزام بأي اتفاق سلام يدعمه استفتاء الشعب الفلسطيني. وهكذا، فإن "نعم" في الإستفتاء على مقترح الأنسكوب تشكل نقطة تحول تاريخي.

وقد يقول الشعب الإسرائيلي "نعم" أو "لا" في الإنتخابات أو عبر الإستفتاء، فإذا كانت كلمتهم "نعم" فأخيرا تؤتي عملية السلام أكلها، وسننتقل الى التطبيق والعملية الانتقالية: نقطة تحول تاريخية. أما إذا قالوا "لا،" فعندها أيضا سنصل الى نقطة تحول: نهاية المفاوضات. وعند تلك النقطة سيتضح الكثير. الفلسطينيون تبنوا بشكل جماعي اتفاق سلام يتضمن فقط "العدالة النسبية" بينما أدار الإسرائيليون ظهرهم. وفي ظل مثل هذه الظروف، فكل جهد آخر سيبذل من أجل النجاح أفضل من الحاضر.

ويمكن تحقيق كل ذلك في غضون 12 شهرا، ولا يمكن لإدارة ترامب أن توقفه. ويعود الأمر الى القيادة الفلسطينية لتنطلق نحو الهجوم ونزع عملية السلام من أيدي الأميركيين.

* مدير "كونفليكت سوليوشن إنترناشيونال." كتابه التالي بعنوان: "غصن الزيتون: إعلان الإستقلال الفلسطيني واستراتيجية صنع السلام الأحادي." ومؤخرا ترشح عن الحزب الديمقراطي لعضوية مجلس الشيوخ عن ولاية مريلاند.