القدس في أوسلو والإصغاء لنبض الشارع المقدسي

بقلم: المحامي زياد ابو زياد

بعد يومين يكون قد مضى ربع قرن على تفاهمات أوسلو وما تبعها من مفاوضات لترجمة تلك التفاهمات الى اتفاق عرف فيما بعد باتفاق القاهرة أو أوسلو-2. ولا أنوي في هذا المقال القصير معالجة ذلك الإتفاق ، ما تبقى منه وما لم يتبق ، وهل كان خيرا ً أم شرا َ ولكنني أريد التطرق الى ما يخص القدس فيه تاركا الجوانب الأخرى ربما الى معالجات لاحقة.

جاءت تفاهمات أوسلو عام 1993على خلفية مفاوضات واشنطن التي جاءت على خلفية مؤتمر مدريد الذي جاء على خلفية الإنتفاضة الأولى التي أذهلت العالم باستمراريتها وسلميتها وأثبتت للعالم بأن الفلسطينيين هم شعب يستحق الحياة ، شعب مستعد لأن يدفع الثمن غاليا ً من أجل حريته واستقلاله ، وحين نعود اليوم بأنظارنا الى الوراء نرى بأن تسلسل تلك المؤتمرات والمفاوضات لم يكن مقصودا ً منه سوى إجهاض الإنتفاضة الأولى والإنقضاض على انجازاتها.

وللأسف الشديد فإن القيادة الفلسطينية وقعت هي الأخرى دون قصد في شرك إجهاض الإنتفاضة لأنها لم تدرك أبعاد ما يُحاك لها ولم تكن تثق بما كان يُعرف آنذاك بقيادة الداخل التي كان تدين بالولاء المطلق لقيادة م.ت.ف. في تونس في حين أن تونس لم تكن تبادلها ذلك الولاء بالثقة التي يستحقها وإنما حاولت الإلتفاف عليها من خلال اتفاق أوسلو الذي تضمن تنازلات لم يكن الداخل ليقبل بها أو يوافق عليها لو كان له رأي فيما كان يحاك من وراء الكواليس.

وكان من أخطر تلك التنازلات على الإطلاق قبول تأجيل التفاوض على القدس والإستيطان في الضفة الى ما بعد ثلاث سنوات من تنفيذ الإتفاق دون اشتراط تجميد الواقع على الأرض خلال تلك السنوات ، والقبول بالإلتزام بأن لا تكون للسلطة الوطنية أية أنشطة بالقدس والإقرار بأن الفلسطينيين بالقدس ليسوا من رعايا السلطة الفلسطينية ولا يستطيعون حمل هويتها ولا بطاقات سفرها (ما نسميه بجواز السفر الفلسطيني).

فكانت النتيجة أن دخلت إسرائيل في سباق محموم مع الزمن لتغيير الواقع على الأرض ضمن سياسة واستراتيجية ممنهجة تقوم على أساس منع قيام دولة فلسطينية ، ومنع أي انسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة ، وتكريس تثبيت الوضع في إطار ما كان يُعرف بمشروع ألون الذي لا يزال حتى اليوم يشكل لب وجوهر الخطة الإسرائيلية للتعامل معنا وهي السيطرة الإسرائيلية الكاملة على القدس "الكبرى" وغور الأردن والتلال المطلة على غور الأردن من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب وحصر الفلسطينيين في التجمعات السكنية في المدن بالضفة وعزل تلك المدن عن بعضها البعض وإعطائها شكل من أشكال الحكم الإداري (وهو ما تُجسده السلطة الفلسطينية هذه الأيام) مع السعي لربط ذلك الحكم الإداري بالأردن والقضاء نهائيا ً على أي تفكير بالإستقلال الوطني الفلسطيني.

أعقبت تلك الهجمة المحمومة سلسلة من التطورات الداخلية في إسرائيل تمثلت بتعزيز قبضة اليمين بشكل مطلق وخلعه ثوب الدبلوماسية والإنصراف الى العمل بالمكشوف على تنفيذ هذا المخطط متنكرا ً لكل الإلتزامات التي تفرضها القوانين والمعاهدات الدولية على اسرائيل كدولة احتلال وفقا ً لمعاهدات جنيف الرابعة وما يترتب عليها.

فلم يعد اليمين الإسرائيلي يكترث بالمجتمع الدولي وقراراته وقوانينه وانطلق بعد تكريس السيطرة على الأرض الى تكريس التهويد والسيطرة على الإنسان ومقومات حياته وبشكل خاص ومكثف بالقدس.

لقد أدى قبول المنظمة بأن لا يكون للسلطة أي نشاط رسمي بالقدس ، والتزامها بذلك حتى الآن الى خلق حالة من الإحباط والخذلان والشعور باليتم لدى أبناء القدس الذين يجدون أنفسهم اليوم كالأيتام على مأدبة اللئام رغم ما يسمعونه من تصريحات وقرارات فلسطينية لا تبلغ مستوى التنفيذ الذي يستطيع أن يتصدى ولو بالحد الأدنى للممارسات الإسرائيلية.

لقد استطاعت إسرائيل السيطرة التامة على قطاع الصحة والقضاء على الطب الخاص في المدينة ، وهي الآن بصدد السيطرة الكاملة على قطاع التعليم بعد أن تغلغلت في المدارس الأهلية وربطتها بالمساعدات المادية التي تُقدم لها ، وأصبحت الآن تتحكم بغالبيتها العظمى بالرموت كونترول الى جانب ما يسمى بالمدارس التابعة للبلدية. واليوم يكاد ينتهي العهد الذي لم يكن يجرؤ فيه أحد على الدراسة حسب المنهاج الإسرائيلي وبدأت عدد من المدارس تدرس حسب هذا المناهج دون حرج.

نحن نعلم جميعا ً بأن أغلى ما نملك هو الإنسان وأن الطفل الفلسطيني في القدس يتعرض اليوم الى محاولات غسل دماغ ممنهجة سيكون لها الأثر الخطير على مستقبل المدينة في العقود القريبة القادمة. أضف الى كل ذلك السيطرة الإسرائيلية على القطاع الإقتصادي كقوة احتلال تفرض الضرائب والرسوم والعوائق والمعوقات التي تمنع تطور أو نمو اقتصاد وطني وتحيل الشريحة الأعظم من الأيدي العاملة في المدينة الى قطاع خدمات دنيا في سلم العمل باسرائيل.

رغم هذه الصورة العابسة إلا أن في القدس قيادات وطاقات شابة واعية واعدة على الصعيد الأهلي تحاول التحرك للعمل من أجل تثبيت وجود الناس على الأرض والتصدي للمخططات الإسرائيلية والحد من تقدمها إن لم يكن إفشالها. وهذه الطاقات الشابة لا تجد لها طريقا ً الى صناع القرار في الجانب الفلسطيني لأنه وكما يبدو فإن صناع القرار ما زالوا يتعاملون مع القدس بشكل نمطي تقليدي ، ولم ينزلوا من أبراجهم العاجية أو يخرجوا من جدران الأطر السياسية التي ينتمون اليها للتعامل مع الغالبية الساحقة من الناس غير المؤطرين الذين لا يقلون وطنية وانتماء عن المؤطرين المسيسيين إن لم يكونوا أكثر منهم.

صناع القرار مطالبون بالإصغاء الى نبض الشارع المقدسي ، الى الناس الطيبين الذين لا يسعون لألقاب حركية أو مسميات ، الذين يملكون من القدرات والمقومات الذاتية ما يكفيهم ليشعروا بأنهم ليسوا بحاجة لتملق أحد ، والذين يؤمنون بالقدس وأهل القدس كجزء لا يتجزأ من فلسطين والشعب الفلسطيني ويحاولون بكل قوة إنقاذ السفينة قبل أن توشك على الغرق.