د. فتيحة في "صالون القدس" : التعليم قلعتنا الاخيرة وحامي وجودنا في المدينة المقدسة

القدس- "القدس" دوت كوم - محمد زحايكة - تناول د. احمد فتيحة، المحاضر في كلية التربية بجامعة بيرزيت، ابرز التحديات التي تواجه مسيرة التعليم في فلسطين عموما وفي مدينة القدس على وجه الخصوص ، وذلك خلال لقاء في "صالون القدس الثقافي" بمناسبة انطلاق العام الدراسي الجديد.

وقال "إن التعليم يواجه تحديات كبيرة في عصر الانفجار المعرفي والتطور التكنولوجي. والتعليم في القدس خصوص يصعب العثور على نظام مماثل له في العالم بما يحويه من تعقيدات خاصة وتعدد المرجعيات التنظيمية المشرفة على تسييره. هناك هجمة شرسة على التعليم في القدس وهو اخر ملف متبقي بين ايدينا واذا ما خسرناه - لاسمح الله - نكون قد خسرنا القلعة الاخيرة التي تحمي وجودنا في القدس".

واوضح فتيحة "ما زالت مدارسنا غير قادرة على مواكبة متطلبات القرن الواحد والعشرين ، حيث كنا في الماضي نركّز على استهلاك المعرفة بينما في هذا القرن بات هناك تكامل بين ثلاث دوائر هي: المعارف والمهارات والقيم، لكن وللاسف ما زال طلابنا يتلقون فقط المعرفة في حين انهم بحاجة ماسة لتطوير الجانب المهاري والقيمي في شخصياتهم".

واعتبر ان المدرسة من المفترض ان تكون مسؤولة الى حد كبير عن ما يجري من مظاهر الفلتان ، ذلك لانها لا تضطلع بالدور الكافي لجهة غرس القيم الايجابية والتشارك مع الاسرة والبيت في اطار من التفاعل والتناغم الحيوي والضروري".

الطالب الشريك المنتج

واضاف "اولادنا ليسوا فقط مشروعا استهلاكيا معرفيا وانما يجب مساعدتهم والعمل معهم كفريق متكامل لتوظيف هذه المعرفة في حياتهم العلمية والعملية، واذا كانت المعرفة مفصولة عن الواقع وموضوعة في قوالب نظرية فانها سوف تتبخر، في حين انها لو ارتبطت بالواقع وأعطت أجوبة على الواقع الفعلي فانها تكون قد تغلغلت في ذات الانسان ليستفيد منها ويستخدمها في حياته العملية. واشار الى تحد اخر وهو ان المعلم يمارس على الاغلب دور الملقن، ونحن بحاجة الى الانتقال من مفهوم التعليم الى مفهوم التعلم، لا نريد تعليما يعتمد على تلقي المعرفة من الاخرين بل الى تعليم ذاتي يقوم به المتعلم من اجل الحصول على المعرفة .. في الماضي كان المعلم هو مصدر المعرفة للطالب ولكن اليوم تغيرت الادوات وصارت لدينا اجهزة التكنولوجيا وبات دور المعلم يتمثل في كيفية استخدام هذه الاجهزة وتوظيفها نحو خلق وبناء جيل من المتعلمين المتميزين من خلال دوره في التوجيه والارشاد وان يكون الطالب شريكا وليس مجرد متلقيا سلبيا.. ولهذا السبب يجب الانتقال من التركيز في تعليم الطلبة على مهارات التفكير الدنيا من حفظ وتذكّر وفهم واستيعاب الى تحليل وتركيب وتقييم ونحن بحاجة الى طلبة ينتجون معرفة او يساهمون في انتاجها وليس فقط في استهلاكها وهنا يتجلى الفرق بين الدول المتقدمة وغيرها، حيث ان الطلاب فيها ينتجون المعرفة فيما نحن نقوم باستهلاكها فحسب.

البحث العلمي والتكنولوجيا

ولفت الى ان 350 مليون نسمة في العالم العربي يقدمون للعالم قرابة 700 براءة اختراع سنويا في حين ان عدد سكان اسرائيل، سبعة ملايين نسمة، وهي تقدم الاف براءات الاختراع سنويا.. دبي مثلا هي مجرد سمسار لاخر صيحات التكنولوجيا والسعودية ذات المليار من الدخل اليومي لا تستطيع ان تنتج او تصّنع أبسط الاختراعات وهذا يعني اننا بحاجة الى تشجيع البحث العلمي في مدارسنا، وادخال التكنولوجيا في التعليم باعتبارها لغة العصر وتشجيع ثقافة الاختلاف في المجتمع ابتداء من المدرسة .. ومطلوب منا ايضا تشجيع ثقافة الحوار ومنح الحرية للطلبة للتفكير بشكل حر وافساح المجال امام تشكيل مجالس طلبة في المدارس لتكون صوتهم والمعبّر عن قضاياهم.

وتابع : كما يتوجب علينا ان ننتبه ان ادوات المعلم باتت قديمة وبحاجة الى لغة مختلفة وحوار وتقبل واحتواء واحترام وهذه هي كلمات السر التي تطلق العنان لتعليم ابداعي منتج يغّير العالم. طلابنا بحاجة الى ان يتعلموا من خلال العمل والتجربة وليس مجرد تلقي معارف نظرية والمفروض ان تتحول غرفة الصف المملة الى مختبر تعلّم حقيقي يمارس فيها الطالب أنشطة وفعاليات عملية بحيث يتحول التعليم من تعليم ممل الى تعليم فعال ونشط ومنتع يفجّر طاقات الطلبة ويبرز مواهبهم ويراعي قدراتهم وميولهم مع التركيز على التعليم الذي يجري داخل الصف وليس على الانشطة والفعاليات رغم اهميتها، اذ يبقى التعليم الصفي هو المحك لتحصيل الطلبة العلمي.

اللغة الام..!

وأكد فتيحة على اهمية تعلّم اللغة العربية وضرورة ان يتقنها الطالب وان يتعلم لغة عالمية اخرى مثل الانجليزية التي هي جواز المرور الى العالم، لكن اللغة الام اساسية ويجب الاهتمام بها لانها جزء من انتماء الانسان الى وطنه وقومه.

ووجه في هذا الاطار رسالة الى القيادات التربوية قال فيها "نحن، لسنا بحاجة الى مدراء او مديري مدارس يطبقون انظمة وقوانين رغم اهميتها وانما نحن بحاجة الى قيادات تربوية تلهم المعلمين وتفجّر طاقاتهم وتعزز الدافعية للعمل وحب المهنة والانتماء اليها، فالمعلمون ليسوا مجرد ركاب على ظهر السفينة وانما مشاركون حقيقيون في عملية التعلم والتعليم وبدونهم لن يكتب التطور والنجاح للتعليم، فمهما عملنا لتطوير التعليم بدون الحفاظ على كرامة المعلم وحقوقه واحترام مكانته الاجتماعية سنبقى ندور في حلقة مفرغة.

ودعا فتيحة الى مشاركة الاهالي في العملية التعليمية فهي حق لهم وواجب عليهم وليست منة، ولن يتسنى تطّور التعليم دون وجود شراكة حقيقية وفاعلة بين البيت والمدرسة ويجب علينا ايضا ان نكسر حلقة الفراغ ونسد الفجوة مع المجتمعات المتطورة في أنظمة التعليم كي نصل الى مصاف هذه الدول في التطور وكي نصبح على مستوى عال من النهوض في المجال التعليمي، حيث ان مشاركة الاهل كانت عاملا اساسيا ورئيسيا في نجاح هذه التجارب العالمية. وبالتالي فإن المطلوب هو وضع خطط استراتيجية لمشاركة الاهل في مجمل عملية التعلم والتعليم. وفي ظل الواقع الفلسطيني الصعب على كل المستويات، لا بد ايضا ان توثق المدارس علاقاتها مع المجتمع المحلي من خلال فتح المدرسة ابوابها للمجتمع وبالعكس وتحويل مدارسنا الى مراكز مجتمعية تحتضن الطلبة بعد الدوام المدرسي ، فلا يعقل ان يتم اغلاق المدارس بعد الساعة الثانية ظهرا وان يبقى جزء كبير من اولادنا وبناتنا في الشوارع .. يجب ان تفتح هذه المدارس كمراكز مجتمعية تحتضن مواهبهم في مختلف الانشطة والفعاليات.

وكان د. فتيحة قد بارك في مستهل حديثه العام الدراسي الجديد متوجها الى طلابنا واهالينا ومعلمبنا ومدرائنا وكل ما له علاقة بالتعليم بتمنيات التوفيق والتقدم ، آملا ان يكون عام خير يحمل في طياته نجاحات وانجازات على طريق النهوض والخلاص.