أمريكا والأونروا والخلط بين السياسي والإنساني

بقلم: الدكتور أحمد سيد أحمد

ترتكز إستراتيجية الرئيس الأمريكي ترامب في السياسة الخارجية على عقيدة الصفقة، كرجل أعمال جاء من خارج النخبة التقليدية، وتقوم على تعظيم المكاسب وتقليل الخسائر، والمزاوجة بين سياسة العصا، العقوبات وتصعيد الخطاب السياسي، وسياسة الجزرة، الحوار والمساعدات، وقد برزت تلك السياسة في العديد من ملفات السياسة الخارجية مثل تجميد جزء من المساعدات العسكرية لمصر في بداية عهد ترامب تحت مزاعم حقوق الإنسان واعتبارات الديمقراطية، ثم عودتها بعد أن غلبت المصالح الإستراتيجية بين البلدين واتضاح الصورة الحقيقية فى مصر، كذلك إلغاء 300 مليون دولار مساعدات لباكستان تحت دعاوى تقصيرها فى مواجهة التطرف والإرهاب، خاصة على الحدود الباكستانية الأفغانية، بينما السبب الحقيقي هو تنامي التحالف الصينى الباكستانى عبر ما يعرف بممر التنمية في إطار طريق الحرير، مما اعتبرته واشنطن خروجا باكستانيا من العباءة الأمريكية والتقارب مع المنافس الإستراتيجي لها.

كما استخدمت أمريكا سياسة العصا مع كوريا الشمالية وممارسة سياسة أقصى الضغوط عبر العقوبات المشددة ثم سياسة الجزرة وعقد قمة مع الرئيس الكورى الشمالى كيم جونج أون، كذلك استخدام سياسة العصا مع إيران والانسحاب من الاتفاق النووى وإعادة فرض أقصى العقوبات لدفع إيران نحو الحوار وتقديم تنازلات جوهرية بشأن ملفها النووى وبرنامجها الصاروخي الباليستى ودورها الإقليمي في دعم الإرهاب وزعزعة الاستقرار.

كذلك الحال مع تركيا عندما فرضت عليها عقوبات ورسوما جمركية على سلعها لمطالبتها بالإفراج عن القس الإنجيلي الأمريكي وذلك لاعتبارات انتخابية خاصة بكسب أصوات الإنجيليين في انتخابات التجديد النصفي ومعاقبة تركيا على توجهها نحو التحالف مع روسيا وإيران.

وفي معظم هذه الحالات فإن سياسة العصا والجزرة تتعلق باعتبارات سياسية قد تحقق أهدافها أو لا تحقق وفقا لمنطق الواقعية والمصلحة وجدوى تلك السياسة. لكن الإشكالية الكبرى عندما تطبق الولايات المتحدة تلك السياسة فيما يتعلق بالأونروا، وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة، فقد ألغت الإدارة الأمريكية المساعدات التي كانت تقدمها للوكالة وتقدر بـ300 مليون دولار، مما تسبب في أزمة كبيرة لها وضعتها فى مأزق وغير قادرة على تقديم خدماتها الأساسية لأكثر من 5.6 مليون لاجئ فلسطينى في الأراضى الفلسطينية ولبنان والأردن وسوريا.

الإدارة الأمريكية بررت خطوتها بوجود عيوب جوهرية في برنامج عمل الوكالة، لكن السبب الحقيقي هو القضاء على حق العودة للاجئين الفلسطينيين، الذي كفله قرار مجلس الأمن الدولي 194، وتقليل أعدادهم من ستة ملايين لاجئ إلى أقل من نصف مليون، يمكن تقرير مصيرهم ضمن أية مفاوضات قادمة، كجزء من مخطط شامل لإعادة هيكلة عملية السلام وفق للرؤية الأمريكية والإسرائيلية باستبعاد قضايا الوضع النهائي خاصة اللاجئين والقدس، بعد قرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس واعتبارها عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل، وذلك ضمن ما يعرف بصفقة القرن، وهو ما يمثل خطورة كبيرة في القضاء على الثوابت الفلسطينية المتمثلة في إقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وحق العودة لكل اللاجئين الفلسطينيين.

خطورة الخطوة الأمريكية هو الخلط ما بين السياسي والإنساني، فاللاجئون الفلسطينيون الذين دفعوا ثمنا غاليا عبر سبعة عقود نتيجة لإبعادهم عن أراضيهم الأصلية، يواجهون مأزقا إنسانيا حقيقيا يتمثل في حرمان أكثر من نصف مليون طالب من اللاجئين تقوم مدارس الأونروا بتعليمهم، إضافة إلى تشغيل أكثر من مائة ألف لاجئ في هيئات الوكالة المختلفة، حيث قامت بتسريح الآلاف منهم لعجزها عن دفع رواتبهم، وهو ما يفاقم المعاناة الفلسطينية الإنسانية في ظل تدهور أوضاع المخيمات وافتقادها للخدمات الأساسية من صحة وتعليم وكهرباء وبنية أساسية.

تسييس الأونروا من جانب الولايات المتحدة لا يمكن أن يزيل حق العودة الذى تعد الأونروا شاهدا عليه وضمانة له، كما أن الوكالة أنشئت بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949 وبموافقة 167 دولة، حيث وقفت أمريكا معزولة ومعها إسرائيل في مواجهة المجتمع الدولي كله، كما حدث مع قرار القدس، حيث استنفرت الدول العربية والإسلامية والأوروبية والإفريقية وكذلك دول أمريكا اللاتينية ضد الخطوة الأمريكية واستنكرتها وسعت إلى مساعدة الأونروا كجزء من المسئولية الأخلاقية من المجتمع الدولي تجاه الشعب.

قرار إدارة ترامب يفقد الولايات المتحدة مصداقيتها وينزع عنها الجانب الأخلاقي في معاقبة اللاجئين الفلسطينيين واستخدام هذه الورقة لأغراض سياسية لتمرير صفقة القرن والضغط على الجانب الفلسطيني للتخلي عن الثوابت الأساسية، لكن الذي لا تدركه الإدارة الأمريكية أن مثل هذه الخطوة تحمل تداعيات خطيرة ليس فقط في ضرب عملية السلام وحل الدولتين، وإنما أيضا تهديد الأمن والاستقرار في المنطقة، حيث تؤدي محاولات أمريكا لإلغاء الأونروا إلى انتشار الإحباط واليأس والتطرف، كما أنها تعطي الذريعة للجماعات المتطرفة والدول المارقة مثل إيران، للمزايدة وتوظيف المعاناة الإنسانية للشعب الفلسطيني لخدمة أجنداتها، ولذلك فإن موقف الولايات المتحدة من الأونروا يكشف فشل سياسة العصا والجزرة التي تتبناها إدارة ترامب ويؤدى إلى عواقب وخيمة على الولايات المتحدة ذاتها وعلى مصالحها في المنطقة.

...عن "الأهرام" المصرية