آليات وإحتمالات عزل الرئيس ترامب!

بقلم: الدكتور ناجي صادق شراب

استاذ علوم سياسية-غزة

تتزايد الإجتهادات والنقاشات حول إمكانية عزل الرئيس الأمريكي، ترامب، والأمر ليس قاصرا على التحليلات الأمريكية بل عالميا، لما لقرارات وسياسات الرئيس الأمريكي من تأثير يتجاوز كل الحدود، وخصوصا ان الرئيس ترامب الذي أثار بقراراته الإقتصادية والسياسية والعسكرية تخوفات كبيرة من حدوث كارثة أو أزمة عالمية.

ومن هنا تراوحت هذه التحليلات ما بين الأمنيات وما بين الواقعية في التحليل. والسؤال المباشر الذي يطرح هو: هل من إمكانية لعزل الرئيس الأمريكي ؟ وهل إقتربت فترة نهاية رئاسته؟

والإجابة على هذا السؤال تستوجب الإجابة على التساؤل أولا لماذا فاز الرئيس الأمريكي ؟ وما هي عناصر قوته. وما هي الحصانات التي يتمتع بها؟

الإجابة تتطلب الوقوف على السياق السياسي والمجتمعي الذي يحكم من يتولى منصب الرئيس، ويتحكم في وصوله من بقائه.

وثانيا السياق الدستوري والقانوني الذي يميز النظام السياسي الأمريكي . وقبل الولوج لتحليل هذه السياقات لا بد من التذكير بأهم خصائص النظام السياسي الأمريكي . رغم أن النظام السياسي الأمريكي رئاسي ، يلعب فيه الرئيس دورا محوريا ، ولا نبالغ إذا قلنا أن منصب الرئاسة يشكل قطب النظام السياسي كله، لذلك وضع المؤسسون ألأوائل كل السلطه التنفيذية في يده. الكل مسؤول أمامه، ومنحه من السلطات والصلاحيات التنفيذية والتشريعية وحتى القضائية الكثير، وحرصا من المؤسسين وتخوفهم من تحوله لديكتاتور أوجدوا نظام الكوابح والجوامح مابين السلطات الثلاث، والعلاقة بينها تقوم على الفصل المطلق عضويا وليس وظيفيا، ووفقا لهذا النظام السلطة تحد من تغول السلطة الأخرى، وحيث أن الرئيس بهذه الصفة التي يتفرد بها النظام ينتخب مباشرة من قبل الشعب ، ووفقا للكلية الإنتخابية، ونظرا لصعوبة ان يقوم الشعب مباشرة بمحاكمة الرئيس فالبديل لذلك الكونغرس بمجلسيه لأنه يمثل إرادة الشعب، وتساوى سلطاته أو قوته ونفوذه قوة ونفود الرئيس، ولذلك فإن أحد الآليات للعزل تبدأ من الكونغرس كما سنرى. ويبقى الرأي العام حكما عاما يحكم سلوكيات كل من الرئيس والكونغرس، لأنه في النهاية هو من سيختار في انتخابات دورية، ولهذا لا أحد يغفل قوة الرأي العام والناخب واللوبيات.

هذا الإطار فيه قدر من الإجابة لماذا فاز الرئيس؟

عوامل كثيرة تجيب على هذا السؤال وهي نفسها تشكل حصانة لعدم عزله. فالرئيس الأمريكي كما هو واضح رئيس إستثنائي لا يشبه من سبقه، فهو حالة إستثنائية وأوجدته ظروف إستثنائية تمر بها الولايات المتحدة من شعبوية جديده وقومية أمريكية جديدة تقوم على الطبقات المتوسطة الفقيرة المهمشة، والتي تتطلع الى أن تملك الملايين، وأن يكون لها دور على حساب الطبقة التقليدية التي تنتمي للشركات الكبرى والمؤسسة التقليدية التي سئمت منها هذه الطبقة.

فالرئيس الأمريكي جاء من خارج هذه المؤسسة، وما زالت هذه القاعدة الجماهيرية تشكل قوة كبيره للرئيس. تعلن تمسكه بشعاره أمريكا أولا.

يضاف إلى ذلك الإزدهار الإقتصادي الذي حقق معدل نمو 4 في المائة، وبطالة تحت نسبة الأربعة في المائة. ومما يعمل لصالحه ضعف المعارضة، فهي تفتقر إلى مشروع وإستراتيجية واضحة.

وواضح أن الديموقراطيين يتجهون نحو اليسار وهو شبه إشتراكي وهذا لا يتوافق مع الغالبية من الشعب الأمريكي، وخصوصا ما يعرف اليوم بالقومية البيضاء التي يمثلها الرجل الأبيض، وساعده ما عرف بمناطق حزام الصدأ التي كانت مهمشه في الإدارات السابقه.

فهو جاء على خلفية إنقسام وتحولات في البنية الإجتماعية ما زالت تعمل لصالحه، ومن النقاط الهامه أيضا التحولات التي صاحبت الثورة الرقمية التي تنظر إلى السياسة من باب الترفيه، وظهرت الدعوة للربط بين السياسة والترفيه.

وترامب كرجل صفقات وعقارات وله خلفية كبيره يجيد هذا الربط. الحزب الجمهوري وهو الحزب المؤيد والداعم الذي ينتمي له يدرك هذه التحولات ويخشى أن يتخلى عن رئيسه كما حدث في سيناريو الرئيس نيكسون تجنبا لغضب القاعدة الجماهيرية، وخشية أن يفقدوا مقاعدهم في الانتخابات النصفية لمجلس النواب كله ولثلث أعضاء مجلس الشيوخ.

هذه القوة التي تمثلها العنصرية العصبوية لقوميه في عالم تحكمه القوة، تشكل حسب تعبير بعض المحللين مثل طبقة التيفال التي تشكل منطقة عازلة وحامية ولذلك يطلق عليه كما أطلق على الرئيس ريغان الرئيس «التيفال».

هذه المحددات هي التي دفعت الرئيس ترامب الى أن يلوح بأن عزله قد يتسبب في خسارة وكارثة ستحل أولا بالمواطن الأمريكي الفقير، وستتسبب في أزمة مالية عالمية.

لكن رغم هذه المحصّنات التي تحمي الرئيس الأمريكي من العزل في المدى القريب ، يبقى النظام السياسي الأمريكي نظاماً يحكمه الدستور والمؤسساتية وليس الفردانية والشخصانية التي يحاول ان يبرز من خلالها الرئيس الأمريكي ، وتبقى سيفا مسلطا ، وهو ما يحتاج إلى مقالة أخرى أتناول فيها الجانب الدستوري والقانوني والإحتمالات المتوقعة لعزل الرئيس.

drnagishurrab@gmail.com