التعامل مع محاكم الاحتلال

بقلم: برهوم جرايسي

مسألة توجه الفلسطينيين في المناطق المحتلة منذ العام 1967 إلى محاكم الاحتلال الإسرائيلي، واحدة من القضايا التي فيها اجتهادات متعددة، بين الرفض المطلق، وحتى كونه خيار اللا مفر. وحقا أنه من الصعب الطلب من فلسطيني يفقد مُلكه، أو حريته كاملة أو جزءا منها، أن يقاطع محاكم الاحتلال، وهو يرى هناك ذرة أمل في أن يزيل عن كاهله، بعضا من استبداد الاحتلال. ولكن في الآونة تحدث متغيرات تسد آخر الثغرات الهامشية، أصلا، في القضاء الإسرائيلي، ما يستوجب إعادة النظر، والبحث عن خيارات أخرى، لمواجهة قرارات وأحكام الاحتلال.

ففي الأسبوع المنتهي، "قضت" محكمة لوائية في القدس المحتلة، بجواز مصادرة أرض فلسطينية بملكية خاصة في الضفة، كان قد بنى عليها الاحتلال مستوطنة، وبزعم أنه لم يكن لدى سلطات الاحتلال علم بأن الأرض بملكية خاصة. وأن البناء تم بما أسمته المحكمة "حسن نية"، كما هو حال جرائم الصهيونية منذ أن ظهرت في القرن التاسع عشر، اقتلاع وتهجير، من باب "حسن النية".

وكما ذكرنا فإن هذه القضية تجسد لأول مرّة قانونين من سلسلة القوانين التي تهدف الى ضم تدريجي للضفة المحتلة. الأول هو أن محكمة "مدنية" إسرائيلية، دون المحكمة العليا، تنظر في قضية أرض في الضفة المحتلة، بموجب قانون تم إقراره في شهر تموز الماضي. وهو من قوانين الضم الزاحف للضفة. وثانيا، أن قرار هذه المحكمة يطبق قانون سلب ونهب الأراضي الفلسطينية بملكية خاصة، الذي أقره الكنيست في شهر شباط العام الماضي 2017، رغم أن القانون ما يزال مطروحا أمام المحكمة العليا، بطلب جهات فلسطينية وإسرائيلية لشطبه.

وفي السنوات الأخيرة، يسارع اليمين الاستيطاني المتطرف، بزعامة بنيامين نتنياهو، إلى تغيير وجه القضاء، وخاصة المحكمة العليا، ليكون مطابقا لتوجهات ذات اليمين. بكلمات أخرى، العمل على سد آخر الثغرات في جهاز القضاء، التي كانت تسمح باستثناءات محدودة، على صعيد الحياة العامة الإسرائيلية، ولكن بالذات على صعيد الأمور ذات الصلة السياسية، مثل نقض قوانين أقرها الكنيست، أو قضايا تتعلق بالمناطق المحتلة منذ العام 1967. رغم أن جهاز القضاء هذا، لم يشذ يوما عن الخط العام، وعن جوهر النظام الصهيوني الحاكم.

وهذه واحدة من القضايا الحارقة التي تطرحها جهات حقوقية إسرائيلية، تحذر من مستقبل جهاز القضاء، وفي خلف هذا التحذير مخاوف داخلية، مثل سطوة جهات دينية صهيونية تتطرف دينيا على جهاز القضاء، ما يقلص أكثر لاحقا مجال الحريات العامة، وأيضا تخوف من أن يفقد القضاء الإسرائيلي "شرعيته" أمام العالم، ما يجعل دولا تدعي "ديمقراطية النظام الإسرائيلي"، محرجة أمام الرأي العام، وبالتالي توجيه انتقادات أعمق للكيان.

هذا المشهد القائم، يستوجب صياغة موقف فلسطيني وطني عام، صادر عن أعلى مستوى هيئات الشعب الفلسطيني، في مسألة التعامل مع محاكم الاحتلال، بدءا من رفض التوجه إلى المحاكم ما دون المحكمة العليا، وثانيا الرفض الكلي للتوجه الى القضاء الإسرائيلي، لأنه لم تعد أي احتمالات لأن يجد الفلسطيني حبل خلاص ينقذه من ويلات الاحتلال.

وموقف كهذا يحتاج إلى عرض بديل قادر على إقناع الإنسان الفلسطيني، الذي يبحث عن إنقاذ حقوقه الشخصية؛ مثل استصدار قرار في المحكمة الدولية ضد تعديل قانون المحاكم الإسرائيلي الذي أقر قبل شهرين، لأنه ينقض القانون الدولي المتعلق بجهاز القضاء في ما يخص منطقة محتلة. وثانيا إيجاد الآلية التي تسمح بطرح قضايا الفلسطينيين الخاصة، مثل توحيدها في ملفات، على القضاء الدولي. رغم أنه لا تتملكنا أوهام بعدالة المحكمة الدولية، المرهونة للتوازنات العالمية، التي تخدم الاحتلال في هذه المرحلة.

إن استمرار التوجه الى القضاء الإسرائيلي يعطي شرعية لهذا الجهاز، والأخطر من هذا، شرعية لقراراته التي تخدم أولا وآخرا أهداف الاحتلال ولا غير ذلك.

barhoum.jaraisi@alghad.jo

...عن "الغد" الأردنية