معادلة .. زجاج أسود..

بقلم : حمدي فراج

في عام 1993 تفتقت العقلية الاسرائيلية لحل إشكالية مرور الفلسطينيين عبر الجسر الى الاردن بأن اخترعت موضوع الزجاج الأسود ، بحيث لا يراه المواطن الا كجدار ولا يستطيع بالتالي ان يرى ما خلفه ، لكن الذي يجلس خلف هذا الزجاج هو الذي يدير الجسر ويتحكم بكل حركة ، وهو الذي بالتالي يسمح لهذا بالمرور ولذلك بالرجوع ، ولثالث بالتحقيق ولرابع بالاعتقال .

في الواجهة شرطي فلسطيني تعرفه من سحنته ومن لغته ومن ابتسامته ودماثته ، لكنه فجأة يطلب مني أن أرفع نظارتي عين عيني ، فأسأله ، كون الطلب لم يكن في السياق ، لماذا ؟ ماذا حصل ؟ فيشير لي بعينيه ، ان الذي يجلس خلف الزجاج الأسود على منصة أعلى هو الذي يطلب . فأدركت منه الموضوع رغم وجود الشرطي الفلسطيني في الواجهة ورغم صور ياسر عرفات والملك حسين على جدران الصالة ورغم ان الجسر اسمه معبر الكرامة .

ما يتعلق بالحقائب والمقتنيات ، تشرف اسرائيل مباشرة على كل شيء يدخل او يخرج ، بما في ذلك كتابك او شفرة حلاقتك او علبة دوائك او دمية طفلك او كيلو شاي ، باستثناء الحمالين العتالين ، فهم فلسطينيون .

بطاقة هويتك التي تم تغيير لونها من البرتقالي الى الاخضر ، تحمل الرقم ذاته ، ما ينطبق على "جواز سفرك" الذي لا يتعدى انه مجرد وثيقة سفر ، وليس ما يعنيه جواز السفر من التجنس والدولة والسيادة .

ساءلت نفسي عم ستتفتق عنه العقلية الاسرائيلية في تدشين ميناء غزة كي تنظم المرور الى قبرص ، والطيران الى مصر ، والى اين سيتم تحويل المعتقلين وهل من حق اسرائيل محاكمتهم والزج بهم في سجونها ، وكيف ستمنح بعدها حق ذويهم في زيارتهم مرة في الشهر او مرتين .

وساءلت نفسي ، على ماذا يختلف الفلسطينيون ولماذا يعززوا انقسامهم لطالما انهم يقفون سواسية امام الزجاج الاسود ، هذا الزجاج الذي ظن المفاوض الفلسطيني انه سيكون مؤقتا ، لسنة او سنتين او خمسة في ابعد احتمال ، لكنه استمر ربع قرن ، مات او تقاعد كل من جلس خلفه او أمامه دون ان يموت او يتشظى او يتهاوى .

لكن المسألة في هذه المرة تتعدى كل ذلك الى ما هو ابعد وأثقل واعمق ، انها تطول قسم الشعب الى شعبين ، والوطن الى وطنين ، والحكم الذاتي الى حكمين ، والزجاج الاسود الى زجاجين في انتظار صلاح دين جديد يأتي من خلف البحار ليعيد توحيد الشعب الفلسطيني والوطن الفلسطيني بعد ان يهشم الزجاج الأسود بسيفه .

***

بم التعلل لا أهل ولا وطن * ولا نديم ولا كأس ولا سكن / أريد من زمني ذا ان يبلغني * ما ليس يبلغه من نفسه الزمن / مما أضر بأهل العشق أنهم هووا ، وما عرفوا الدنيا وما فطنوا / تفنى عيونهم دمعا وأنفسهم * في اثر كل قبيح وجهه حسن / رأيتكم لا يصون العرض جاركم * ولا يدر على مرعاكم اللبن / ما كل ما يتمنى المرء يدركه * تجري الرياح بما لا تشتهي السفن .(المتنبي)