"فتح" و"حماس"....ثلاث درجات لإرتكاب الخطأ !!!

بقلم: الدكتور ناجي صادق شراب

استاذ علوم سياسية-غزة

لست بصدد المقارنة بين الحركتين، وأيهما على صواب أو خطأ، ولكني هنا سأحاول ان أتناول العلاقة بين الحركتين من عدة زوايا في أكثر من مقالة. ولست بصدد المقارنة والمفاضلة, وسأركز هنا على البعد الأول في العلاقة في مفهوم الخطأ، وكيفية التعامل معه. والسؤال أيهما على صواب وخطأ؟

الإجابة السريعة الصادرة من الناطقين باسميهما على صواب، لا أحد يعترف بالخطأ، لأني فعلا مثل غيري لم أسمع مثل هذا الإعتراف أو الإعتذار بالخطأ للشعب الذي يتحمل الخطأ ولا يتحمل الصواب, وبداية لو إعترف من يرتكب الخطأ بذلك وأعتذر لكان بداية الحل وإستعادة الثقة والمصداقية.

الإعتراف بالخطأ ليس عيبا ولا تقليلا من شأن من يرتكب الخطأ، لأن الهدف من الإعتراف بالخطأ تصحيحه والبحث عن الحلول. وفي أدبيات النظم السياسية عموما تلتقي أنظمة الحكم المطلقة والسلطوية مع أنظمة الحكم الثيوقراطية أي الدينية بعدم الخطأ، أنا على صواب وغيري على خطأ، وثانيا الهروب بتبني نظرية المؤامرة، الكل يتآمر ضدي، وهنا الإشكالية الكبرى أن كلتا الحركتين تتبنيان نظرية التآمر المتبادل، فتح تتآمر على حماس، وحماس تتآمر على فتح. وفي هذا السياق سأوضح ما درجات الخطأ وهنا أستعين بمقالة رائعة للكاتب والمفكر المصري عماد الدين في صحيفة «الوطن»، وتحمل نفس العنوان بدون «فتح» و«حماس». وكما يقول ستيفن كوفي أستاذ متخصص في علوم التفكير الإبداعي أن التفسير الصحيح للخطأ هو الطريق الوحيد للخروج من حالة الفشل المتكررة. ويرى أن المرحلة الأولى من الخطأ وهي مرحلة الإرتكاب الإنساني للخطأ وهي مرحلة يقع فيها الكل ، وهي مرحلة طبيعية، والمرحلة الثانية مرحلة إنكار إرتكاب الخطأ، وهي درجة متقدمة في سلوك الخطأ والبحث وتوظيف كل التبريرات لصوابية الرأي، فطالما لم يعترف بالخطأ، فهو على صواب وغيره على خطأ.

المرحلة الثالثة وهي الأكثر خطورة إلقاء اللوم على الآخرين، وهم من يتسببون بالخطأ. وخطورة هذه المرحلة التمسك بالفشل، وعدم الإستعداد لمراجعة النفس ـ وتصحيح الخطأ، وإعتبار كل آخر هو العدو المخطئ.

هذه الحالة من التمسك بالخطأ ونكرانه وإلقاء اللوم على الآخرين هي التي تفسر لنا الحالة والعلاقة بين الحركتين، وهي التي تفسر لماذا الفشل في إنهاء الإنقسام ، والوصول إلى المصالحة وهي حالة طبيعية. ورغم الإدراك أن الإنقسام حالة ليست فقط شاذة في التاريخ الفلسطيني بكل مراحله، بل هي حالة لا يمكن التعايش معها، إلا ان الإشكالية ان هناك خطأ ولا أحد يريد ان يعترف به، ولو إعترف كل منهما بهذا الخطأ لأمكن الوصول إلى صيغ مقبولة للمصالحة.

وأسوق هنا بعض الصور للخطأ: نعم اخطأت فتح في الكثير من المواقف والقرارات في موقفها من حرب العراق على الكويت، ومن ملف السلام والاعتراف باسرائيل دون ثمن سياسي مماثل، وفي احتكارها لمؤسسات منظمة التحرير واحتكارها للنظام السياسي لما بعد أوسلو وعدم العمل على بناء نظام سياسي ديمقراطي تعددي، وأخطأت عندما إندمجت في السلطة لتطغى السلطة على الحركة.

ويعنيني اليوم الخطأ الأكبر في الفشل في التعامل مع الانقسام منذ اليوم الأول، وأخطأت في فرض الاجراءات وأسميها مخففا بالاجراءات وهي عقوبات على غزة وأخطأت في الربط بين المصالحة وفرض شروط معينة.

اما حماس فأخطأت وخطأها الأكبر الإنقلاب على السلطة والذهاب بعيداً بالإنقسام، وخطئها ان هدفها الإنقسام وتملك غزة، وأخطأت أنها لم تعترف بأنها حركة سياسية وطنية بشرية يمكن ان تخطىء كأي بشر. أخطأت في الاستحواذ على غزة بالكامل، وأخطأت في تحالفاتها الإقليمية وإرتباطاتها الخارجية، وأخطأت في العديد من القرارات المتعلقة بالتحولات العربية، ولم تكن حساباتها دقيقة بشأنها كالعلاقة مع مصر أولاً وأخطأت في الاعلان عن تحملها مسؤولية الأوضاع غزة، واخطأت في حروب اسرائيل الثلاث على غزة وأخطأت في ربطها المصالحة بملف الموظفين فقط على اهمية هذا الملف وضرورة حله، لكن المصالحة أكبر، وأخطأت في ادارة مفاوضات التهدئة، رغم أنني مع التهدئة، لكن علينا أن نعي أن تتفاوض حماس وليس السلطة والتي هي جزء منها.

هذه بعض الأخطاء التي قد لا يعترف بها، وليس عيباً ان نخطىء، ونصيب ولكن الخطأ الأكبر ان لا نعترف بالخطأ ذاته، وكيف لي ان أحقق المصالحة و أنا لا اعترف بمسؤوليتي عن اخطائي.

وألخص الخطايا الكبرى: خطيئة أوسلو، خطيئة الإنقلاب والإنقسام، خطيئة الفشل في صياغة مشروع وطني، خطيئة الحكم والسلطة.

ويبقى ان نقول من ينتقدك يحبك، وللحديث بقية.

drnagishurrab@gmail.com