آخر من يعلم !

حديث القدس

يبدو أن شعبنا الفلسطيني الصامد المرابط، القابض على الجمر وسط كل هذه المعاناة الرهيبة التي يفرضها عليه هذا الاحتلال الاسرائيلي البشع منذ عقود، والذي زادت معاناته بفعل الانقسام المأساوي المتواصل منذ اكثر من عشر سنوات والذي أضر بقضية شعبنا وحقوقه وشوه نضالنا العادل، يبدو أن هذا الشعب الذي يفترض انه صاحب السيادة وصاحب حق تقرير المصير وان قياداته ومنتخبيه يجب ان يخضعوا لإرادته، هو آخر من يعلم حقيقة ما يجري وراء الكواليس من مفاوضات بين فصيل واحد وبين الاحتلال الاسرائيلي لتحديد مستقبل ومصير ما ستؤول إليه الأوضاع في قطاع غزة مع كل تداعيات ذلك على الضفة الغربية المحتلة وعلى الشتات الفلسطيني، كما انه آخر من يعلم حقيقة ما يجري من مفاوضات وجلسات حوار في القاهرة تحت مسمى «المصالحة» والتي لم ير منها سوى تعميق وترسيخ هذا الانقسام المخزي، وتوفير الذرائع والمبررات للاحتلال الاسرائيلي لمواصلة اللعب على تناقضاتنا وخلافاتنا الداخلية وتنفيذ مخططاته التي تستهدف الشعب الفلسطيني بأسره بوجوده وحقوقه الثابتة والمشروعة.

إن ما يجب أن يقال هنا أولا إن ما يجري من تطورات مؤسفة هو أمر خطير، وتطال تداعياته الكل الفلسطيني، وهي المرة الأولى في تاريخ النضال الفلسطيني التي تجري فيها اتصالات ومفاوضات على هذا النحو مع الاحتلال الإسرائيلي بمعزل عن الشرعية الفلسطينية وعن الممثل الشرعي الوحيد، منظمة التحرير الفلسطينية، وكأن منطق الحرب او السلام أصبح بيد فصيل دون غيره أو أن الوطن الفلسطيني هو أجزاء متناثرة لا صلة بينها، تعقد فيها إسرائيل هدنة هنا وتستفرد بمناطق اخرى أو العكس، او أن جل ما نطمح إليه بات تسهيلات إنسانية متناسين قضايانا الجوهرية، وفي مقدمتها القدس التي يتواصل تهويدها والمسجد الأقصى الذي تنتهك حرمته يوميا، والاستيطان الذي يتمدد طولا وعرضا، وقضية حق الشعب الفلسطيني في دولة واحدة حرة مستقلة على كامل التراب الوطني المحتل منذ عام ٦٧ أو قضية اللاجئين التي تتكالب عليها الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما يصمت آخرون إزاء ما يجري، الخ من القضايا التي يفترض أنها في مقدمة أولويات العمل الوطني والنضال الفلسطيني الموحد.

كما أن ما يجب أن يقال إن من الغريب والعجيب ان يتم تجاهل ما يعلنه المسؤولون الإسرائيليون وتصرح به عناوين وسائل الإعلام الإسرائيلية من أن «التهدئة» التي يدور الحديث حولها تخدم مصالح إسرائيل، وأنها من جهة تكرس وتعمق الانقسام الفلسطيني ومن الجهة الأخرى تعفي إسرائيل من الحديث عن إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة أو تقديم تنازلات جوهرية للجانب الفلسطيني.

والأغرب ان يحاول البعض تصوير أي اتفاق جزئي كهذا وكأنه انتصار فلسطيني، علما ان الاحتلال طالما طرح مثل هذه التسهيلات والحلول الجزئية كبديل عن حل القضايا الرئيسية، إلا أن الساحة الفلسطينية والإجماع الوطني في منظمة التحرير رفض مرارا مثل هذه الصفقات التي لا تعني سوى إطالة أمد الاحتلال وتوفير المزيد من الوقت لصالحه ومحاولة تخدير الشعب الفلسطيني بإغراءات وتسهيلات كي يتهرب الاحتلال من الاستحقاقات الحقيقية تجاه القضية ومن أجل تحقيق سلام عادل ودائم وشامل.

يجري كل ذلك وسط تراجع احتمالات المصالحة، بل إن ما يجري وجه ضربة أخرى جديدة لأي جهود بهذا الشأن، في الوقت الذي كان فيه من الأجدر الوقوف صفا واحدا في مواجهة ما تحيكه أميركا والاحتلال لتصفية القضية وتعزيز الجبهة الداخلية الفلسطينية لمواجهة ما يسمى بـ «صفقة القرن» ومحاولات تصفية قضية اللاجئين ومخططات تهويد القدس وتقسيم الأقصى وتوسيع الاستيطان.

لقد قال الرئيس محمود عباس والقيادة الفلسطينية «لا» واضحة لترامب وللاحتلال، وعبر المجلس الوطني والمجلس المركزي واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير عن الرفض المطلق لما يخطط له الاحتلال وتدعمه إدارة ترامب، وكان الأجدر تعزيز وحدة الساحة الفلسطينية ودعم هذا الرفض والإصرار على التمسك بالحقوق الثابتة والمشروعة بإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة ورسم استراتيجية مواجهة كل التحديات الماثلة في إطار الشرعية الفلسطينية التي يعترف بها العالم أجمع وفي إطار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد لشعبنا، وعندها يمكن للعالم أجمع أن يسمع الصوت الفلسطيني الواحد ويمكن إسقاط كل المؤامرات التي تستهدف القضية.

والسؤال الذي يطرح هنا هو: أين هو الشعب الفلسطيني من كل ما يجري؟ وكيف يعقل أن يتم تجاهل إرادته ومطالبته المتكررة بإنهاء الانقسام؟ وكيف يعقل أن نعمل بأيدينا على إضعاف الشرعية الفلسطينية وتكريس الانقسام، والاستمرار في التحدث للعالم بصوتين مختلفين وتوفير الذرائع لإسرائيل لمواصلة التهرب من استحقاق إنهاء احتلالها غير المشروع؟!

للأسف الشديد شعبنا آخر من يعلم، وحان الوقت كي يدرك كل من يصرّ على إطالة أمد الانقسام وتكريسه، وكل من يعتقد أن من حقه رسم مصير ومستقبل شعبنا بعيدا عن إرادة هذا الشعب وبعيدا عن الشرعية الفلسطينية وأطرها المختلفة، أن يدرك أن شعبنا هو صاحب السيادة وصاحب القرار ولا يعقل أن يتواصل هذا التدهور بكل تداعياته السلبية، بل يجب التوقف والعودة إلى هذا الشعب كي يقول كلمته.