هدنة الحارة التحتا!

رام الله-"القدس"دوت كوم-كتب إبراهيم ملحم- لا بأس أن تعقد (الحارة التحتا) هدنتها الحلال المنزّهة عن الخطايا والآثام، والمجتنبة لرجس الشيطان، وهي بكامل أناقتها، ورباطة جأشها، وقوة بأسها، وسلاطة لسانها على خصومها، واتساع خياراتها واختياراتها، وسط تحليق مثير وأخير لطائراتها، التي كانت لها الكلمة الأخيرة في حسم الصراع، وإجبار العدو على توسل الهدوء، بعد أن انكشف المشهد عن خلل فادح في قوة الردع، وتوازن الرعب لصالح الحارة أمام أعدائها قبل أن تخفض لهم جناح السلم من الهدنة.

لا تلوموا (الحارة التحتا) على سلامها العبثي، ولا تشككوا في نواياها ولا في طهارة أدواتها، وسلامة توجهاتها؛ فالحارة المحاصرة، بقيت على ذلك لسنوات، دون أن يمدّ لها أحد من جيرانها العون، فقدمت من التضحيات التي فاقت ما قدمته كل الحارات مجتمعة، وهي التي قاتلت حين جنحت جاراتها للسلم، حتى لم يبق في جسدها شبر إلاّ وبه ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، كما أن الاسعار التي حصلت عليها من أعدائها فاقت بكثير تلك التي عُرضت عليها من خصومها والمشروطة باكتمال عقد التمكين المستحيل؛ فقد ظفرت بظروف عيش رغيدة، وبمنشآت، ومبان تعانق السحاب، ومعابر برية، وموانئ بحرية وجوية، ما يؤهلها لتقديم أوراق اعتمادها كحارة مستقلة ذات سيادة كاملة، تدير شؤونها تحت ظل شجرة برتقال على شاطئ البحر بعد أن منّ الله عليها بالهدوء والسكينة والطمأنينة والحياة الرغيدة.

خلال الإنتفاضة الأولى عام 87 من القرن الماضي، وبعد أن عجزت سلطات الاحتلال عن وقف إلقاء الحجارة على الحافلات الاسرائيلية المارة على الشارع الرئيس المحاذي لمخيم الدهيشة، رغم تطويق المخيم بالأسلاك الشائكة، والبوابات الحديدية؛ جمع الحاكم العسكري سكان (الحارة التحتا للمخيم) المحاذية للشارع لعقد هدنة معهم، حيث طالبهم بأن يحضر كل واحد منهم أكله معه، ليتولوا مهام الحراسة للشارع؛ وما أن انهى الحاكم العسكري كلامه حتى قام شيخ ثمانيني جليل يدعى "أبو صلاح"، وكان صاحب نكتة لاذعة؛ حيث خاطب الحاكم بلهجة ولجيّة متهكِّمة قائلًا: "يا سعادة الحاكم؛ بس نتفق على الحراسة، بعدين بنتفق على مين الأكل!"، وقد انفضَّ الاجتماع وسط ضحكات الحضور.

بعد العيد؛ أنتم على موعد جديد، مع السلام العبثي المشرِّف؛ موعدٌ تتحلل فيه الحارة المستقلة من الإحرام، وتحلِّل به كل ما سبق وحرّمته على جاراتها من الحارات التي تورطت في سلام الشجعان، قبل أن يستحيل صرحًا من خيال أقيم في ليلة صيف على الرمال.

بعد العيد، أنتم على موعد من الموسم الجديد من السلام المضاد للأوهام، والمعمق للانقسام، والملهم للانفصال، والباعث للآمال والمحقق للأحلام؛ سلام لا تهزه البيانات، ولا تنال منه الاستنكارات والاتهامات، سلام سيفتح الآفاق، ويوسع الأنفاق، وسيجلب للحارة الرزق الحلال، والماء الزلال.

بعد العيد، ستعيش الحارة التحتا أعيادها الوطنية، وتقيم احتفالاتها السنويّة، دون الحاجة للتنسيق الأمني، أو الالتزام باتفاق باريس الاقتصادي، أو انتظار ختم الجواز الوطني، فهي منذ تلك اللحظة التاريخية ستكون في حِلّ من أي التزام عائلي، أو ارتباط عشائري، فآمالها وأحلامها التي قدَّمت من أجلها التضحيات الجسام، تحققت بالعرق وبالأرق حتى مَنَّ الله عليها بالطمأنينة والسكينة التي نالتها على جسر طويل من التعب.

بعد العيد، سيرفع شبلٌ من (الحارة التحتا) علم الحارة على سارية البحر المفتوح على بحار الدنيا، لتمخر سفن الحارة المياه الدافئة، جالبةً لسكانها ما لذّ وطاب من أربعة أرجاء الأرض، وستضيء الكهرباء جميع الأرجاء، حتى البحر ستُزرع فيه أعمدة الإنارة على امتداد الملاحة البحرية المفتوحة على اتساع الأفق للحارة المستقلة، وستقام المنارات في بحر الظلمات لإرشاد التائهين في المياه العميقة لأرض البرتقال الحزين.. وكل عام وأنتم بخير.