الأقصى مجددا

حديث القدس

مرة أخرى لجأ الاحتلال أمس إلى محاولة فرض إملاءاته وإجراءاته التعسفية بإغلاق المسجد الأقصى المبارك وطرد المصلين منه، الأمر الذي دفع المواطنين إلى أداء صلاة المغرب أمام باب الأسباط وأثار ردود فعل غاضبة شعبيا ورسميا، حيث حذرت الرئاسة من الإجراءات الإسرائيلية وحملت حكومة نتنياهو المسؤولية عن التصعيد الخطير وأكدت رفضها للمواقف والإجراءات الإسرائيلية الهادفة إلى تغيير الوضع الديني والتاريخي في الأقصى والمدينة المقدسة، فيما ترأس الرئيس محمود عباس اجتماعا عاجلا لمتابعة الأحداث الجارية في الأقصى وأكد أن القدس والأقصى خط أحمر، بينما حذر ممثل التعاون الإسلامي لدى فلسطين السفير احمد الرويضي مما يبيته الاحتلال للأقصى، مؤكدا أن من حقنا أن نصلي فيه بحرية دون معيقات الاحتلال وأجهزته الأمنية. فيما حذر وزير الأوقاف من الإغلاقات المتكررة التي يلجأ إليها الاحتلال مشيرا إلى أنها محاولة منه تمهيدا للسيطرة الكاملة على الأقصى، وهو ما يعني تصعيدا خطيرا يدفع نحو حرب دينية بالمنطقة.

ومن الواضح أن ما يرتكبه الاحتلال ومتطرفوه من انتهاك لحرمة الأقصى المبارك وانتهاك لكل الأعراف والقوانين ومنع لحرية العبادة واعتداءات متكررة على المصلين الآمنين، يشكل تصعيدا خطيرا يسعى الاحتلال من ورائه إلى فرض معادلات جديدة ضاربا بعرض الحائط كل الحقائق التي يعرفها القاصي والداني والشرعية الدولية في كل ما يتعلق بالأقصى وفي مقدمتها انه مكان مقدس للمسلمين وحدهم ولا حق لليهود فيه، وهو ما نص عليه أكثر من قرار دولي وما تؤكده وقائع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي منذ بداياته حتى اليوم.

هذا يعني بوضوح أن هذا الاحتلال لا يكترث بالمس بالمشاعر الدينية لدى أبناء الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية، معتقدا أو واهما أن جبروت القوة التي يستخدمها في محاولة قمع إرادة أبناء شعبنا يمكن أن تحسم المعركة حول الأقصى، ومعتقدا أو واهما أن ما تعانيه الدول العربية والإسلامية من صراعات وأوضاع مؤسفة يشكل فرصة له لفرض مواقفه متجاهلا أن القدس والأقصى وباقي المقدسات تشكل خطا أحمر لكل عربي ومسلم ولكل أبناء شعبنا الفلسطيني الذين أثبتوا أكثر من مرة استعدادهم للدفاع عن الأقصى بصدورهم العارية وصلواتهم على الأسفلت عند أبواب المسجد، وهو ما أجبر الاحتلال العام الفائت على التراجع عن إجراءاته غير الشرعية عند ما حاول نصب البوابات الإلكترونية والكاميرات عند أبواب الأقصى.

إن ما يجب أن يقال هنا أولا إن شعبنا يقف صفا واحدا دفاعا عن الأقصى، ويخطئ الاحتلال خطأ جسيما إذا ما راهن على إمكانية فرض إجراءاته التي تمس بالأقصى وبحرية العبادة. وثانيا، إن هذا الاحتلال مسؤول مسؤولية مباشرة عن هذا التصعيد الخطير الذي لا يقبل به أي فلسطيني أو عربي أو مسلم، وبالتالي من الأجدر به التراجع عن إجراءاته التعسفية.

كما أن ما يجب أن يقال اليوم واكثر من أي وقت مضى إن هذا التحدي الذي يفرضه الاحتلال مجددا بحق الأقصى، يجب أن يشكل تذكارا لكل أولئك الذين لا زالوا متمترسين في مربع الانقسام المأساوي، بأن الوقت قد حان لمغادرة هذا المربع واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، الدرع الواقية والكفيلة بمواجهة كل التحديات التي يفرضها الاحتلال سواء بشأن الأقصى والقدس أو باقي الحقوق الوطنية المشروعة.

حان الوقت للالتفات إلى الجوهر والى التحديات الحقيقية التي تواجه شعبنا بأسره، بقضيته وحقوقه، بدلا من الاستمرار في الغرق بدوامة الانقسام أو الالتفات إلى مصالح فئوية أنانية على حساب المصلحة العليا لشعبنا وحقوقه.

حان الوقت لوقفة فلسطينية واحدة موحدة، دفاعا عن الأقصى والقدس ودفاعا عن حق شعبنا في الحرية والكرامة والاستقلال.