الحسيني لـ "القدس": بلورنا استراتيجية صمود جديدة لأن نهج «البناء دون ترخيص» لم يعد ينفع

حاوره: محمد أبو لبدة ومحمود عوض الله

القدس - "القدس" دوت كوم - أكد عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وزير شؤون القدس ومحافظها، م. عدنان الحسيني، أن المشاركة بانتخابات البلدية الإسرائيلية في القدس ترشحاً أو انتخاباً مرفوضة جملةً وتفصيلاً، مشدداً على أن قضية القدس ليست قضية خدمات بل قضية سياسية، وأن حلها فقط يكون بزوال الاحتلال.

ورأى الحسيني في حوار خاص مع «القدس» أن «صفقة القرن» قد سقطت؛ قائلا:"لن تمر الصفقة إلا إذا وافقنا عليها وحيث إننا رفضناها بالمطلق فقد سقطت. كانوا يراهنون على موقف عربي داعم لمسعاهم، ولكن عندما رأى العرب موقفنا الصلب والثابت اضطروا لاتخاذ موقف حاسم".

ولفت: "كان عددنا في القدس قبل نحو 50 عاماً لا يزيد عن 65 ألف نسمة، وأصبح اليوم أكثر من 360 ألف نسمة.. لسنا مهزومين ما دمنا صامدين وأعدادنا تزيد عاماً بعد آخر".

وأوضح أنه تم اعتماد إستراتيجية صمود جديدة في القدس تقوم على دعم وحث المواطن الفلسطيني على انتزاع تراخيص بناء؛ مبيناً أن النهج الذي كان متبعاً سابقاً "هم يهدمون ونحن نبني" لم يعد يجدي نفعاً، حيث يبني المواطن بدون رخصة ثم تلاحقه سلطات الاحتلال وقد تهدم له مباشرة أو تحوله للمحاكم ثم تصدر القرارات التعسفية بالهدم بعد أن نكون قد دفعنا أموالا طائلة".

وتحدث الحسيني عن واقع الاقتصاد في المدينة، وإيجارات المنازل المرتفعة، وما أثير عن سعي دول عربية لشراء عقارات في البلدة القديمة، والموقف الرسمي من أعمال التسوية الإسرائيلية للأراضي في بعض المناطق، بالإضافة لرأيه حول "تعدد المرجعيات"، وحجم الموازنات التي تخصصها الحكومة الفلسطينية للمدينة المقدسة، وفيما يلي نص الحوار كاملاً:

س: ما هي أسس عملكم في المدينة المقدسة؟

ج: وزارة شؤون القدس والمحافظة هما ذراع الحكومة في تنفيذ سياستها بدعم صمود المواطن الفلسطيني بالقدس. إن دعم الصمود له مقومات تنقسم إلى عدة قطاعات؛ وأهم ما نركز عليه هو قطاع الإسكان لأن إسرائيل تهدم بيوت المواطنين ولا تعطي أصلا الرخص وتصادر الأراضي وبالتالي أصبح توفر السكن شحيحا، إننا نحاول في سياق الشيء المتوفر مساعدة الناس بالحصول على الرخص لحماية الأرض وتوفير السكن، وأريد أن أشير هنا إلى تصعيد سلطات الاحتلال لسياسة هدم المنازل خلال العامين الماضيين في مختلف المناطق بالقدس وخصوصاً في سلوان وقرى العيسوية وقلنديا والولجة؛ في ظل وجود هذه الحكومة المتطرفة التي تستغل وجود إدارة ترامب، وهذا الوقت العصيب محلياً وإقليمياً.

لا شك أن التنظيم الهيكلي واستصدار الرخص في غاية الصعوبة والتعقيد، لكن يجب أن نستغل ذلك لتعويض العجز الموجود وحل أزمة النمو الطبيعي؛ فعدد السكان الآن في القدس أكثر من 360 ألف نسمة بينما في عام 1967 كان العدد 65 ألف، في حين أن نسبة المناطق المنظمة هيلكليا لم تتغير للفلسطينيين، وبالتالي نحن نواجه مشكلة في التنظيم ونواجه مشكلة في المصادرات الواسعة للأراضي وتصنيفات الأراضي كالمناطق الصناعية والخضراء، بالإضافة للكلفة الهائلة للتنظيم والترخيص؛ فحتى يصل المواطن إلى مرحلة الحصول على الرخصة يمر بتعقيدات وحواجز كثيرة، ولكن لا يوجد بديل؛ ودعوني أوضح أن النهج الذي كان متبعا سابقاً "هم يهدمون ونحن نبني" لم يعد يجدي نفعا، فهو مكلف كثيراً، حيث يبني المواطن بدون رخصة ثم تلاحقه سلطات الاحتلال وقد تهدم له مباشرة أو تحوله للمحاكم وبعد سنوات طويلة أمام المحاكم تصدر القرارات بالهدم بعد أن نكون قد دفعنا مخالفات ورسوم باهظة، بالإضافة لأجور المحامين والخبراء.

خلال الفترة القليلة الماضية تحسن الوضع مع اتباعنا إستراتيجية صمود جديدة تقوم على دعم وتشجيع استصدار الرخص حيثما أمكن، من خلال صرف حوافز ودفعات مالية في سبيل استصدار التراخيص والبناء عبر تغطية جزء من التكاليف الهندسية والقانونية لإعداد مخططات وهيكلية واستصدار رخص بنسبة 50%، كما نساهم برسوم التحسين بحوالي 20%، وبعد صدور الرخصة نسعى لتوفير قروض بفائدة رمزية 1.5-2% وتسهيل الضمانات، وبالتالي نحن نجزء الدعم عبر عدة مراحل في سبيل حث المواطن والتأكد من مضيه في العمل فعليا على الأرض.

وأود الإشارة إلى أن هذه المساهمات لا يدفعها أحد.. لا يدفعها البنك الإسلامي للتنمية أو الدول العربية، بل تصرف فقط من موازنة وزارة شؤون القدس التي هي جزء من موازنة الحكومة الفلسطينية.

س: لماذا لا نستغل ما تبقى من الأرض؟ وماذا بشأن أراضي الأوقاف؟

ج: علينا أن نسارع بذلك، فما زال هناك متسع للعمل في الأراضي الخاصة والتي إن لم نقم باستغلالها سيصادرها الاحتلال. أما بالنسبة لأراضي الأوقاف، للأسف، معظمها مصنفة كماطق خضراء ممنوع البناء فيها، وبالتالي من الصعب استغلالها حالياً.

س: هل تدعمون إنجاز مخططات هيكلية للمناطق المستهدفة بالهدم مثل سلوان والولجة وقلنديا والعيسوية؟

ج: نعمل قدر استطاعتنا في هذا المجال، لكن نحن على قناعة أن الاحتلال لا يريد الموافقة على مخططات هيكلية للفلسطينيين.. معظم المخططات التي يتم إقرارها للمستوطنين. وأريد أن أسرد لكما أمثلة، في سلوان نعمل منذ 20 عاما على إعداد مخطط هيكلي وبتغطية من المانحين، ومع الأسف الشديد لا يوجد أي نجاح ووصلت الأمور إلى طريق مسدود، أما في قريتي الولجة وقلنديا وهما منطقتان مستهدفتان بالهدم نعمل على مساندتهم وهناك عيادة قانونية لدعمهم وسائر المناطق المستهدفة. لكن ينبغي التذكير دائما أن الأمور معقدة.

س: معظم الناس يشكون من إيجارات المنازل المرتفعة في القدس؟

ج: لا شك أن ذلك مشكلة كبيرة خصوصاً مع الدخل المحدود للمواطن المقدسي، إيجار المنزل يجب أن لا يزيد عن ثلث متوسط الدخل عالميا، ولكن علينا أن نأخذ بالحسبان أن تكاليف البناء هنا عالية جدا وبالتالي هذه الأسعار مبررة، لأنه إذا كان أقل من ذلك، المستثمر سيخسر. نحن نطالب بأن تكون الأسعار معقولة ولكن في نفس الوقت نحن لا نريد للمستثمرين أن يخسروا، بل العكس نحن نشجعهم على البناء والتعمير، فالحياة صعبة في القدس ولكن علينا التعاضد والصمود.

س: ماذا عن ملف الترميم في القدس القديمة؟

ج: لدينا 4 مؤسسات تعمل في مجال الترميم مدعومة من المانحين، وهذا الملف رغم أنه مكلف لكنه بالغ الأهمية، لتحسين مستوى الحياة والحفاظ على التراث وتاريخ البلدة القديمة المستهدفة. نحن نعمل وفق مواصفات معينة وبإشراف هندسي وقد قطعنا شوطاً جيداً في هذا المجال.

س: هل لديكم برامج لتعزيز الحياة الثقافية والأنشطة المجتمعية؟

ج: نعمل على مساعدة المؤسسات الثقافية والمجتمعية والنوادي الرياضية والكشفية عبر برامج متعددة. نحن بحاجة لوجود فعاليات موسيقية وتراثية بالليل في سبيل إغناء الحياة الثقافية والمجتمعية في المدينة وتشجيع الحركة فيها نهارا وليلا والتي تعاني الكثير من سياسات الاحتلال.

س: ماذا عن الحالة الاقتصادية؟

ج: خارج البلدة القديمة الأسواق منتعشة، لكن بالنسبة لأسواق البلدة القديمة الوضع سيئ جداً بسبب الحالة السياسية والأمنية بفعل سلطات الاحتلال والمستوطنين. رغم ذلك، نعمل لإحداث حالة انتعاش من خلال تطوير وضع التجار وتغيير النمط السائد؛ لأن نمط الحياة اختلف ففي سوق الخواجات مثلا من أصل 60 محلاً لا يوجد حاليا سوى محلان يعملان والباقي مغلقة.

س: ما رأيكم بدور رجال الأعمال؟

ج: نحث دائماً رجال الأعمال الفلسطينيين والعرب بشكل عام على الاستثمار هنا. الاستثمار في القدس ليس خطراً كما يقول البعض. نحن نشجع على الاستثمار في المدينة المقدسة وهو ليس خاسراً رغم الظروف المعقدة.

س: كيف ترى حال المدينة ومقدساتها؟

ج: الظروف صعبة ولكن علينا الصمود، في تموز العام الماضي أغلقوا أبواب المسجد الأقصى المبارك فكان المقدسيون لهم بالمرصاد وأجبروهم على إزالة بواباتهم الإلكترونية وفتح الأبواب كما كانت، وقبل شهر حاولوا أن يعيدوا الكرّة ففشلوا بهمة أبناء شعبنا. وفي الخان الأحمر وغيره من مناطق القدس يتواصل صمود المواطنين على أرضهم.. وأنا أقول ليس أمامنا إلا الرباط والصمود والنضال بالطرق السلمية. وأعيد القول، برأيي أنه عندما يكون عددنا في القدس قبل 50 عاما نحو 65 لف ويصبح اليوم 360 ألف فإننا لسنا مهزومين.. لسنا مهزومين.. ما دمنا صامدين وأعدادنا تزيد عاما بعد آخر.

س: ولكن، اقتحامات المستوطنين للأقصى في تصاعد؟

ج: الاحتلال يسعى للهيمنة على المسجد الأقصى المبارك بشكل مطلق وهذه الاقتحامات التي تتزايد هي جزء من السياسة الرسمية الإسرائيلية.. لكن حتى الآن فشلوا في إيجاد موطئ قدم وسيفشلوا. ولعل الفرج قريب.

س: كيف تواجهون أنتم ووزارة التربية ظاهرة التسرب من المدارس؟

ج: لدينا سيطرة مباشرة وغير مباشرة على 40% من حجم التعليم في المدينة المقدسة، في المقابل الـ 60% تخضع لسيطرة المعارف الإسرائيلية، ونحن نتعامل مع هذه الفئة من خلال أولياء أمور الطلبة فيها. هناك توجية وإرشاد ولكن أنا أعترف أن المشكلة ما زالت قائمة.

س: ما موقفكم من أعمال التسوية الإسرائيلية للأراضي في القدس؟

ج: موقفنا واضح، إنها مرفوضة قطعاً؛ لأنها تأتي ضد مصلحة المواطن، ونحن نعمل على تأجيل بدءها بقدر استطاعتنا؛ هدفهم واضح سرقة أملاك الغائبين، ونسبة الغائبين كما تعلمون ليست بسيطة، لا يوجد عائلة مقدسية إلا وجزء كبير منها موجود في الخارج بفعل الاحتلال وتبعاته.

هؤلاء (سلطات الاحتلال) لا يتخذون قرارات بمحض الصدفة. إن هذه المساعي الإسرائيلية تأتي في إطار استكمال احتلال المدينة المقدسة وتصفية القضية، وهم يعتقدون أن هذا الوقت هو الوقت المناسب بسبب الإدارة الأميركية الحليفة بشكل وثيق مع اليمين المتطرف في إسرائيل وفي ظل عالم ساكت وعدم وجود ثقل عربي داعم.

س: برأيك، إلى أين وصلت "صفقة القرن"؟

ج: صفقة القرن سقطت. لن تمر الصفقة إلا إذا وافقنا عليها وحيث إننا رفضناها بالمطلق فهي سقطت. كانوا يراهنون على موقف عربي داعم لمسعاهم ولكن عندما رأى العرب صلابة موقفنا الثابت اضطروا لاتخاذ موقف حاسم لصالحنا. أما كل ما يطرح في إطارها حاليا فهو محاولات فاشلة. ولكن في المقابل هم يسعون لفرض وقائع جديدة على الأرض.

س: ما موقفكم من انتخابات البلدية الإسرائيلية في القدس؟

ج: هذه الانتخابات "حكي فاضي"؛ المشاركة بها سواء ترشحا أو انتخابا مرفوضة جملة وتفصيلا، ولقد صدرت فتوى واضحة بهذا الشأن لأن قضيتنا في القدس ليست قضية خدمات بل قضية سياسية، وإذا أردنا تحويلها إلى قضية خدمات سنخسر كثيراً، وأقول إن أهلنا في الداخل منذ 70 عاما وهم يشاركون بالانتخابات الإسرائيلية ولم يحصلوا على حقوقهم بالعكس حالهم تراجع إلى الوراء. مع التذكير أن هناك فرق كبير بين الحالتين. علينا أن لانبني أية آمال على المؤسسات الإسرائيلية. قضيتنا احتلال يجب أن يزول وبعد زوال الاحتلال نجري الانتخابات التي نريدها.

وفي السياق، أمانة القدس كانت موجودة منذ السابق. وكان هناك دعوات لإعادة احيائها ولكن علينا دراسة الأمر وإذا كان هناك جدوى فلا بأس.

س: نسمع انتقادات حول تعدد المرجعيات بالقدس؟

ج: أسمع كثيرا هذا الكلام ولا أفهم معناه.. منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد وهي المسؤولة عن كل فلسطيني أينما وجد. وتتفرع عنها أجسام ومؤسسات ودوائر ومن الطبيعي أن يكون هناك دوائر مختصة بالقدس. ففي الحكومة هناك وزارة ومحافظة بالإضافة إلى وحدات وهيئات أهلية تقدم خدمات للمقدسيين وكل هذه تعمل ضمن إشرافنا وبالتنسيق معنا. نحن لا نعمل بانفراد، بل ننسق مع مختلف الوزارات والهيئات لتقديم الخدمة للمواطن في القدس.

في هذا السياق، دعني أكون واضحاً، بعض الجهات تردد العبارات المشككة في إطار المزايدة على دورنا الكبير رغم الإمكانيات المحدودة. بلدنا بخير وبحاجة لثقة في قيادتنا ولن نخسر المعركة، وهذه بلاد مقدسة لا يدوم فيها ظلم.

س: تردد مؤخراً أن دولاً عربية تسعى لشراء عقارات في القدس؟ ما تعليقكم؟

ج: ليس لدي علم بذلك. ما أعرفه أن أية عملية بيع أو شراء داخل القدس يجب أن تحصل على موافقة الجهات الرسمية الفلسطينية، ويتم ذلك بعد عملية تحري وبحث. المقدسيون يعرفون هذا الأمر ومن يعمل عكس ذلك هو مشترك بجريمة التسريب.

نحن لسنا ضد عملية البيع أو الشراء وتنشيط الحركة التجارية، لكننا نراقب عملية البيع والشراء لأن بعض النفوس المريضة تسعى لتسريب عقارات للاحتلال رغم أنها قد تأتي بوجه وطني!

س: هل تعتقد أن حصة القدس من موازنة الحكومة كافية؟

ج: من الضروري أن يعلم المواطن أن الميزانيات التي تصرف على القدس لا تصرف فقط من خلال ميزانية الوزارة والمحافظة فقط، بل من خلال الوزارات الأخرى أيضاً. على سبيل المثال ميزانية قطاع التعليم في القدس تستقطع من ميزانية وزارة التربية والقطاع الصحي من خلال وزارة الصحة وهكذا. عندما تقومون بجمع هذه الموازنات ستجدون أنها بالإضافة إلى ميزانية الطوارئ المعتمدة للوزارة معقولة ولا بأس فيها. لا مقارنة بالطبع بين الميزانيات التي يخصصها الاحتلال وميزانيتنا. لكن في نهاية المطاف علينا أن نتدبر أمورنا بالموجود خصوصا مع الانخفاض الحاد في المنح الدولية المقدمة للحكومة الفلسطينية.

س: ما هي العراقيل التي تواجهكم كوزارة ومحافظة؟

ج: نحن ملاحقين من سلطات الاحتلال ويمنعون عملنا، ولكن لا نكترث. تواصلنا مع الناس مستمر وسيقى مستمرا رغم صعوبة وتعقيدات الاحتلال في مختلف مناطق محافظة القدس.

س: أنت وزير ومحافظ وعضو لجنة تنفيذية.. أليس أمراً صعباً؟

ج: لا شك أنه عمل ليس سهلاً. لكن وجود شخص واحد في هذه المناصب المتعددة أفضل لتسيير العمل وخدمة الناس لأن هذه المناصب عملها مترابط ومتكامل.

س: كلمتك الأخيرة؟

ج: علينا أن نتغلب على إجراءات الاحتلال. ليس أمامنا سوى تحمل هذه الظروف الصعبة وممارسة أنشطة حياتنا اليومية والصمود. هذا ما نستطيع عمله في ظل هذه الأوضاع السياسية بالغة السوء، لسنا مهزومين ما دمنا صامدين.. نحن في وطننا، وسنبقى مرابطين في قدسنا.