ماذا بعد التهدئة والتسهيلات الجزئية المشروطة؟!

حديث القدس

تناقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية امس ما مفاده أن إسرائيل وحركة «حماس» توصلتا إلى «اتفاق تهدئة» بعد يومين من الهدوء على حدود قطاع غزة دون طائرات ورقية أو بلالين حارقة، وقبل ذلك نقلت «لوس انجلوس تايمز» عن مسؤول إسرائيلي قوله إن الاتفاق بات جاهزا تقريبا فيما أعلن في إسرائيل أن الكابينت سيعقد اليوم لإقرار هذا الاتفاق وسط تصريح أطلقه وزير المعارف الإسرائيلي المتشدد قال فيه إنه سيصوت ضد «الاتفاق» اليوم، وإعلان وزير الأمن الإسرائيلي افيغدور ليبرمان ان الاحتلال سيفتح معبر كرم أبو سالم في حال استمرار الهدوء، وسوف يتم توسيع مسافة الصيد لصيادي غزة إلى 9 أميال، وهو ما يطرح في الحقيقية الكثير من التساؤلات في الوقت الذي لم تنف فيه مصادر غزة هذه الأنباء، وفي مقدمة ذلك ما الذي سيتغير حقا بين الأمس واليوم بعد كل هذه التضحيات الجسام التي قدمها المشاركون في مسيرات العودة من آلاف الشهداء والجرحى والدمار الهائل؟! وهل «التسهيلات» التي يدور الحديث عنها تعادل تلك التضحيات أو تقترب حتى من الأهداف المعلنة لمسيرات العودة والتي كان في مقدمتها رفع الحصار الجائر عن قطاع غزة؟!

والسؤال الأهم الذي يطرح بهذا الشأن هو: ماذا بعد «التهدئة» والتسهيلات الجزئية المشروطة، في الوقت الذي أعلن فيه مسؤولون إسرائيليون جهارا أن من مصلحة إسرائيل التوصل إلى هكذا اتفاق يعزز استمرار الانقسام الفلسطيني ويحول دون العودة إلى مطالبة إسرائيل بما هو جوهري بالأصل، أي الانسحاب من الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧ والاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس؟!

السؤال الآخر الذي يتبادر إلى الذهن أيضا هو: كيف نقبل كفلسطينيين استمرار التحدث مع هذا الاحتلال بصوتين ومنطقين في الوقت الذي ندرك فيه أن هذا الاحتلال يلعب على تناقضاتنا أو خلافاتنا الداخلية لخدمة أجندته الواضحة في القضاء على أي حل سلمي عادل وشامل ويمضي قدما في تهويد القدس وقضم المزيد من أراضى الضفة الغربية المحتلة وبناء المزيد من المستوطنات عدا عما تتعرض له المقدسات من انتهاكات جسيمة وما يتهدد الأقصى بفعل السياسة الإسرائيلية الواضحة للجميع؟!

إن ما يجب أن يقال هنا إن وضعنا الفلسطيني للأسف يتدهور أكثر فأكثر مع استمرار هذا الانقسام والإصرار على تكريسه وعدم الالتفات إلى التحديات الحقيقية التي تواجه شعبنا وقضيته، عدا عما يسببه هذا الوضع من أخطار على الشرعية الفلسطينية والنظام السياسي الفلسطيني، الذي سعت إسرائيل لتدميره، وما زالت تسعى بكل الوسائل وفي كافة المحافل الدولية لإضعاف الشرعية الفلسطينية والشخصية الوطنية الفلسطينية.

كما أن ما يجب أن يقال إن قضية شعبنا ليست مجرد تسهيلات جزئية على الحصار الظالم المفروض على قطاع غزة، وليست فتح هذا المعبر أو ذاك لدخول البضائع الإسرائيلية إلى قطاع غزة المحاصر بل هي قضية تحرر شعب بأكمله من هذا الاحتلال وتجسيد حقوقه المشروعة في الحرية والكرامة والاستقلال وعودة لاجئيه وفق قرارات الشرعية الدولية.

ولهذا نقول إن مواجهة التحديات الحقيقية الماثلة أمام شعبنا وقضيته والمضي قدما نحو تحقيق أهدافنا الوطنية لا يمكن أن يتحقق على هذا النحو، طالما استمر الانقسام المأساوي وطالما تمكن هذا الاحتلال من تكريس هذا الانقسام والتعامل مع الفلسطينيين ليس على أساس شرعية واحدة وهوية وطنية واحدة، وإنما على أساس ما يضمن مصالحه في زيادة الفرقة الفلسطينية وعلى أساس فرض شروطه وفي مقدمتها الهدوء مع ضمان مواصلة ممارساته وانتهاكاته في كافة الأراضي المحتلة، مستهدفا بذلك الكل الوطني الفلسطيني سواء في غزة أو الضفة أو الشتات.

حان الوقت كي نستفيق من هذا الكابوس المرعب وان نضع مصلحة شعبنا العليا أمام ناظرينا، ونسارع إلى إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة والمضي قدما بشرعية واحدة وصوت واحد نحو تحقيق أهدافنا المشروعة، وليس البقاء في دوامة المصالح الآنية الضيقة لهذا الطرف أو ذاك.