غزة ... ماذا بعد ؟!

حديث القدس

شهيدان وأكثر من ثلاثمائة إصابة على حدود قطاع غزة أمس بنيران القوات الإسرائيلية وغازاتها السامة في تصعيد إسرائيلي واضح بمواجهة مسيرات العودة وكسر الحصار، بعد العدوان الإسرائيلي الجديد على قطاع غزة والغارات الوحشية التي شنها الاحتلال خلال الأيام الفائتة وراح ضحيتها عدد كبير من الشهداء والجرحى وخلفت دمارا جديدا هائلا في القطاع، وهو ما يدفع إلى التساؤل: إلى متى سيتواصل هذا العدوان الإسرائيلي المستمر وسقوط الضحايا الفلسطينيين من المدنيين أمام أنظار العالم أجمع، دون أي تحرك جدي في مواجهة هذه الغطرسة الإسرائيلية، وإيجاد حل جذري لمجمل القضية الفلسطينية بإنهاء الاحتلال وتمكين شعبنا من إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني المحتل منذ عام ١٩٦٧؟

لقد حذرت الأمم المتحدة ومبعوثها إلى الشرق الأوسط نيقولاي ميلادينوف منذ شهور وفي أكثر من مناسبة من تفجر الأوضاع في قطاع غزة نتيجة الحصار الإسرائيلي الجائر المفروض على القطاع، وطالب مجلس الأمن بالتحرك في مواجهة ذلك، وهو ما فعلته أيضا العديد من المنظمات الدولية إلى أن وصلنا إلى التصعيد الخطير خلال الأيام الماضية، ثم إصرار إسرائيل على مواصلة قمع المسيرات الشعبية على حدود غزة كما حدث أمس، دون أن نرى أو نلمس أي تحرك حقيقي من مجلس الأمن لوضع حد لانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي واستخفافه إلى هذا الحد بحياة الفلسطينيين وممتلكاتهم.

وإذا كان هذا هو حال المجتمع الدولي وخاصة الدول الغربية، أميركا وأوروبا اللتين أشبعتانا حديثا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وقيم الحرية والعدالة، دون أن تطبقا ذلك في ما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فإن حال عواصمنا العربية والإسلامية أسوأ من ذلك في الوقت الذي يفترض فيه أن الشعب الفلسطيني جزء لا يتجزأ من هذه الأمة ويتعرض لكل هذا الظلم دون أن تتحرك هذه العواصم لإنهاء معاناة شعبنا أو للدفاع عن مقدساتها، وفي مقدمتها المسجد الأقصى الذي ينتهك الاحتلال ومتطرفوه حرمته يوميا.

وللأسف الشديد فإن ما يجب أن يقال هنا إن الخلل الواضح في الساحة الفلسطينية متمثلا باستمرار هذا الانقسام المأساوي، بل حتى تكريسه والإصرار على بقاء الوضع على ما هو عليه، يلعب هو الآخر دورا لصالح الاحتلال وإضعاف الموقف الفلسطيني مع غياب الكلمة الواحدة والاستراتيجية الواحدة في مواجهة التحديات الحقيقية الماثلة أمام شعبنا.

فمشكلة شعبنا الأساسية لا تتمثل في هدنة أو تهدئة هنا أو هناك، ولا تتمثل بما يمكن أن يقدمه الاحتلال من تسهيلات على حصار قطاع غزة، بل إن مشكلته تكمن في استمرار الاحتلال نفسه الذي آن له أن ينتهي، ولذلك فإن الجهد الفلسطيني لكافة القوى والفصائل يجب أن ينصبّ على وحدة الصف أولا وعلى وضع استراتيجية واضحة لمواجهة هذا الاحتلال والمضي قدما نحو تحقيق أهداف شعبنا المشروعة.

وللتأكيد نقول، إن مختلف المحللين الإسرائيليين وكذلك سياسيين وأوساط أمنية إسرائيلية أشاروا مؤخرا عبر مختلف وسائل الإعلام الإسرائيلية وخلال المفاوضات التي جرت للتوصل إلى اتفاق تهدئة مع قطاع غزة، أن مثل هذا الاتفاق يعتبر مصلحة إسرائيلية باعتباره يكرس الانقسام أولا ويضمن لإسرائيل عدة سنوات من الهدوء. ولذلك نقول إنه لا معنى لأي اتفاقات جزئية مع هذا الاحتلال الذي ثبت انه لا يحترم حتى الاتفاقيات التي يوقع عليها، كما لا معنى لأية اتفاقيات لا تنطلق أساسا من قاعدة حق شعبنا في إنهاء الاحتلال وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني.

المطلوب اليوم صوت فلسطيني واحد وجهد فلسطيني واحد، ليس فقط من أجل تخفيف الحصار عن قطاع غزة، وإنما من أجل شعبنا بأسره، فلا يعقل أن تستفرد إسرائيل مرة بغزة وأخرى بالضفة الغربية ونحن غارقون في هذا الانقسام. فالمصلحة العليا الفلسطينية واحدة وطموح شعبنا واحد ومعاناته واحدة، والحل يكمن في حل شامل وعادل لهذا الصراع ينهي الاحتلال، وهي مسؤولية الكل الفلسطيني أولا الذي يستطيع بوحدته أن يفرض على المجتمع الدولي وعلى العواصم العربية والإسلامية التحرك من أجل إيجاد هذا الحل.