قلق العلمانيين من "قانون القومية"

بقلم: برهوم جرايسي

قراءة "قانون القومية" الصهيوني، العنصري الاقتلاعي، الذي أقره الكنيست الأسبوع الماضي، جدير بقراءته من نواح عدة، إلى جانب التمسك بالمبدأ الأساس، وهو أن المستهدف الأساس من هذا القانون هو الشعب الفلسطيني، الذي ينفي القانون حقه في الوطن وعلى الوطن. فقد ثبت أنه رغم اختصار بنود خلافية بين شرائح عدة في الجمهور اليهودي الإسرائيلي، إلا أنه ما يزال يحمل في طياته ما يقلق شرائح واسعة، وخاصة العلمانيين اليهود، القلقين من تعاظم سطوة المتدينين على مقاليد الحُكم الصهيوني، ومجريات الحياة العامة.

ويجدر التأكيد بداية، أن كثرة التحليلات والتعمق بها، لهذا القانون، الذي يناقض مواثيق دولية عديدة، لا تلتفت لها الصهيونية أصلا، هي أمر ضروري، لمعرفة تفاصيل عديدة لدى الصهاينة وحُكمهم. ليس من أجل بث حالة خوف وارتباك، وإنما سعيا لتعبئة المعركة العامة ضد الصهاينة، من أجل حقوق الشعب الفلسطيني؛ فالدولة والعودة لن تتحققا بقرار من الصهيونية، بل رغما عنها.

فمع مرور الوقت، تتعاظم أصوات قلق في الشارع الإسرائيلي من غياب مبدأي "الديمقراطية والمساواة" في تعريف نظام الحكم، في القانون إياه. وقطعا بالإمكان القول، إن الغالبية الساحقة جدا من هؤلاء الإسرائيليين القلقين، ليس في واردهم حقوق فلسطينيي 48. وغالبية المؤيدين لمساواة فلسطينيي 48 في الحقوق، فإنهم يؤيدون حقوقا على مستوى حقوق الفرد، وليس كجماعة قومية.

فهؤلاء قلقون من أن غياب مبدأ المساواة على وجه التحديد، هو تعبير عن سطوة القوى الدينية على أذرع الحكم، وتتواطأ معها القوى العلمانية اليمينية المتطرفة، التي هي على استعداد لتجاهل مطالب العلمانيين، كي لا تسري تاليا على فلسطينيي 48، المستهدفين الأساس.

وينعكس تعاظم سطوة المتدينين في السنوات القليلة الأخيرة، في التشدد في سلسلة من قوانين الإكراه الديني، التي تحاصر جمهور العلمانيين؛ مثل فرض قوانين لتضمن أكثر منع الحركة التجارية وحركة المواصلات العامة أيام السبت. وهذا بموازاة فرض أجواء تدين في صفوف جيش الاحتلال، وعلى جهاز التعليم العام، وغيرها من الأمور.

وترى القوى العلمانية، أنه إذا في هذه المرحلة، التي فيها نسبة المتدينين من التيارات كافة، من إجمالي اليهود، قد تتجاوز بقليل 30 %، يفرضون وضعية كهذه، فكيف سيكون حال الحياة العامة، حينما ستكون نسبتهم بعد عقدين من الزمن، أكثر من 50 % من إجمالي اليهود وحدهم؟ وهذا قلق قائم من قبل سن قانون القومية، ولكن مما لا شك فيه أنه يتعاظم بعده، من هذه النقطة بالذات.

وهذا بالضبط دافع المتدينين لرفض تثبيت مبدأ "المساواة" في القانون، لأنهم يتخوفون من أن يكون تفسير هذا المبدأ، بأنه يضمن حق الفرد أو المجموعة، في نقض قوانين وأنظمة قائمة، تتعارض مع مبدأ الحقوق العامة، والمساواة في فرص الحياة؛ بمعنى نقض قوانين الإكراه الديني، التي تتحكم بشكل فظ في المأكل والمشرب، والحياة العامة، واختيار شريك الحياة ارتباطا بمسألة "من هو يهودي".

فالمؤسسة الدينية اليهودية، هي "دولة في قلب دولة"، ولها اقتصادها، الذي يجبي أثمانا في كلفة المعيشة، مثل مسألة استصدار شهادات الحلال اليهودي على الأطعمة، فشروط الحلال التي تفرض على صناعة الأغذية حتى وصولها للمستهلك، تؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بما بين 20 % و30 %، مقارنة مع معدلات الأسعار في العالم.

بالإمكان الاعتقاد، أنه حينما يبدأ تطبيق "قانون القومية" على أرض الواقع، واعتماده مستندا لقرارات المحاكم في الشؤون العامة، فإنه سيؤجج الصراعات الداخلية الإسرائيلية أكثر. وفي الوقت ذاته، يجب الإشارة إلى أن احتجاج هذه القوى، لا يمكنه أن يتلاقى مع أساس كفاح فلسطينيي 48 ضد هذا القانون العنصري الاقتلاعي، لكون الفلسطينيين يناضلون ضد المبدأ الأساس في القانون. ولكن يشار أيضا، إلى وجود قوى ديمقراطية، وبالأساس مناهضة للصهيونية، تعارض القانون من المنطلق الأساس ذاته، وهي بحجم متواضع نسبيا، ولكنها موجودة وشريكة في المعركة.

... عن «الغد» الأردنية

barhoum.jaraisi@alghad.jo