طريقان لتحرير الجولان السوري

بقلم: مصطفى السعيد

خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي مصدوما عقب مباحثاته يوم الاثنين الماضي مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ورئيس الأركان الروسي فاليري جيراسيموف، فقد سمع نيتانياهو ما لم يتوقعه، فقبل سنوات قليلة كان يرى أنه سيدخل دمشق في موكب الفاتحين، فإذا بالجيش السوري يدق على بوابة الجولان، بل يسمع من لافروف رفض سوريا العودة إلى العمل باتفاقية وقف إطلاق النار التي كانت سارية منذ عام 1974 وحتى عام 2011، والتي خرقتها إسرائيل عندما وجدت الجماعات المسلحة تحتل مواقع الجيش السوري، ورحبت بإخلاء المنطقة العازلة من قوات الأمم المتحدة، لكنه يلح الآن في العودة إلى العمل بالاتفاقية ويحلم بمشاهدة قوات الأمم المتحدة في المنطقة العازلة من جديد.

من خلال التصريحات المقتضبة لقادة إسرائيل والمسئولين الروس ووسائل الإعلام الإسرائيلية يمكن استنتاج بعض ما دار في الاجتماع الاستثنائي، والذي كان فيه لافروف واضحا إلى درجة صادمة، فكل المطالب الثلاثة الإسرائيلية مرفوضة، وهي خروج القوات الإيرانية وحلفائها من سوريا، وتفكيك مصانع وقواعد إطلاق صواريخ أرض أرض المتطورة التي تنشئها إيران في سوريا، ومراقبة الحدود السورية العراقية والسورية اللبنانية، فجميع هذه المطالب في رأي موسكو غير شرعية ولا يمكن أن تطلب من حليفتها إيران الخروج، أو تجبر سوريا على عدم التسلح لحماية نفسها، وأن الحدود مسألة سيادية بين الدول المشتركة في الحدود لا يجوز انتزاعها منها.

لم تتوقف صدمة نيتانياهو عند هذا الحد بل إن المقترحات الروسية كانت أكثر قسوة على سمعه، فقد اقترح لافروف إما عقد اتفاق سلام شامل يستند إلى قرارات الأمم المتحدة، وتنسحب إسرائيل إلى حدود عام 1967 أو عقد اتفاق ثنائي مع سوريا، تنسحب بمقتضاه إسرائيل من كامل الجولان مقابل ضمانات أمنية روسية وفقط.

من المؤكد أن رئيس الأركان الروسي قد شرح لنيتانياهو أن الأوضاع العسكرية يمكن أن تقود إلى الأسوأ إذا لم يقبل بالمقترحات الروسية، وأن شبح حرب شاملة في المنطقة لن يكون بعيدا، وأن أضرارا بالغة ستلحق بإسرائيل في هذه الحالة، ولا يمكن احتواء أو توقع ما يمكن أن تسفر عنه، وأن التمادي في الاعتداءات على سوريا لن يجلب السلام، بل قد يزيد الأمور تعقيدا، ويجعل من الصعب إقناع إيران وحلفائها بالانسحاب أو مساعدة الجيش السوري، بل إن روسيا ستمضي في تحديث ترسانة الجيش السوري، وأن سلامة ووحدة سوريا تهم الأمن القومي الروسي الذي لا يمكن التفريط فيه. ربما تعمد لافروف أن يصدم نيتانياهو ليخرجه من أحلام صفقة ترامب غير القابلة للتطبيق، وأن الأوهام لا تصنع السلام.

رد نيتانياهو بأن إسرائيل قادرة على اقتلاع أشواك إيران وحلفائها بمساعدة الولايات المتحدة، وبالفعل شنت الطائرات الإسرائيلية سلسلة من الغارات على سوريا، بل أسقطت طائرة سوخوي سورية كانت تضرب ما تبقى من مواقع داعش في حوض اليرموك، تلاها هجوم داعش الدامي على مدينة السويداء و7 بلدات تابعة لها وانتهى بمجزرة راح ضحيتها نحو 250 من السكان المدنيين العزل من السوريين الدروز، جرى قتلهم بالتفجيرات والذبح.

القلق الإسرائيلي له ما يبرره وفق تصريحات المسئولين والمحللين الإسرائيليين الذين يشيرون إلى أن التحالف الإيراني السوري يمضي في إقامة القواعد والمصانع العسكرية المحصنة جيدا، وأنه يريد إرساء قواعد اشتباك جديدة وخطيرة، تجعل سوريا قادرة على الرد بالقوة الصاروخية الدقيقة والمدمرة على أي غارة إسرائيلية، وفرض قاعدة ردع متبادل لكل من الداخل السوري والإسرائيلي، تضع الصواريخ مقابل الطائرات، بينما يتم فتح جبهة الجولان وشن حرب عصابات تستنزف الجيش الإسرائيلي، في سيناريو مشابه لما حدث في جنوب لبنان عام 2000، والذي انتهى بانسحاب إسرائيلي تحت جنح الظلام بدون قيد أو شرط. أما إيران فتبدو راضية عما يدور في سوريا، سواء من ناحية جبهة الجنوب التي اقترب الجيش السوري من حسمها تماما، لينطلق بعدها إلى إدلب، وبعدها سوف تكون المصالحة مع أكراد سوريا سهلة بعد أن شاهدوا الجماعات المسلحة تنهار، وأن القوات الأمريكية والإسرائيلية لم تفعل شيئا لإنقاذها، سوى التقاط بعض أصحاب الخوذات البيضاء، ليصبحوا لاجئين أو عائدين إلى بلدانهم. كما تزداد الهوة بين موسكو وتل أبيب. ليس أمام إسرائيل والولايات المتحدة إلا خيارات محدودة، وهي المضي في شن غارات أو إثارة بعض القلاقل في إيران والعراق وسوريا، لكن يبدو أنها لن تجدي كثيرا بعد هزيمة داعش وباقي الجماعات المسلحة، أو المغامرة بحرب واسعة، وهذه محل خلاف داخل إسرائيل والولايات المتحدة، ومخاطرة ليس من السهل الإقدام عليها، ويبقى الطريق الأخير وهو الاعتراف بأن الأوضاع قد تغيرت دوليا وإقليميا، وأن تقبل إسرائيل بما لم تقبله من قبل.

... عن «الاهرام» المصرية»