"قانون القومية اليهودية".... والمفاوضات

بقلم: الدكتور ناجي صادق شراب

أستاذ علوم سياسية-غزة

هل من مفاوضات بعد صدور هذا القانون الذي حسم الكثير من النقاط، وقرر مسبقا مصير القضايا التي تتكون منها القضية الفلسطينية؟

فمن ناحية حسمت قضية القدس بالنص القاطع على انها العاصمة الأبدية والموحدة لإسرائيل، وأعلن بشكل واضح لا عودة اللاجئين، فكيف تكون إسرائيل دولة فقط للشعب اليهودي ويسمح بعودة اللاجئين؟

فمشكلة اسرائيل ليست في اللاجئين فقط، بل بما يقارب المليون ونصف من فلسطينيي الداخل ويحملون الهوية والمواطنة الإسرائيلية ويشكلون حوالي 17,4 في المائة من السكان، وهذا الرقم في تزايد كبير وقد يصل لحد المعادلة السكانية مستقبلا.

وحصر القانون حق تقرير المصير للشعب اليهودي فقط، وإقامة بلدات يهودية كاملة، وحق كل يهودي بالعودة لإسرائيل وهذا له تداعيات سياسية كبيرة تنعكس على عدم الإعتراف بدولة فلسطينية فقط للشعب الفلسطيني، لأن معنى ذلك سقوط كل الحجج التي يتضمنها القانون. والإشكالية الأخرى أيضا مشكلة تحديد الحدود التي لم يشر إليها القانون على إعتبار الحديث عن إسرائيل الكبرى، وهو ما يعني عدم القبول مطلقا بالدولة الفلسطينية، وهذا متعلق بالحدود، فلكل دولة حدودها السياسية وهذا أيضا لم يتضمنه القانون.

وهنا يكمن التعامل مع الفلسطينيين ككتلة بشرية في حاجة لبعض الحقوق الإقتصادية او المعيشية. ومنحهم بعض الصلاحيات لإدارة شؤونهم. هذا جانب من جوانب القانون، ولكن الواقع السياسي قد يكون مختلفا تماما، فإسرائيل والقيادة السياسية فيها تدركان من هم الفلسطينيون، وأن لهم مطالب شرعية، ولهم هوية وطنية، وشخصية دولية لا يمكن إلغاءها بإصدار هذا القانون، ولا غيره من القوانين، ففي النهاية السمو لقوانين الشرعية الدولية، واي قانون محلي يتعارض مع هذه الشرعية سيبقى محل جدل ونقاش وحدوده ستظل محدودة.

ومن ناحية أخرى تدرك الحكومة الإسرائيلية ان هذا القانون سيزيد من مشاكلها الداخلية وخصوصا مشكلة التكامل بالنسبة لغير اليهود، وتدرك أيضا أن سياسة ترحيل اكثر من مليون فلسطيني عربي داخلها لن تكون بالأمر السهل، فقد يجلب تحديات وتداعيات لا يمكن مواجهتها، وهذا بصورة أو بأخرى سيفرض تفسيرا جديدا للقانون.

انا لا انظر لهذا القانون إلا من إعتبارات داخلية فقط، فلا يوجد قانون في العالم يصدر إلا لإعتبارات داخلية إلا في حالة هذا القانون ومع ذلك ينبغي وضعه في سياقه الداخلي، فهذه ليست المرة الأولى التي تصدر فيها مثل هذه القوانين فقبله صدر حوالي 66 قانونا تصب في نفس الهدف.

والسؤال يبقى: وهل من مفاوضات بعد صدور هذا القانون؟

من الناحية النظرية والقانونية لا توجد أي فرصة للتفاوض، والتساؤل ثانية: على ماذا نتفاوض؟ فقد ألغي القانون كل القضايا القابلة للتفاوض.

القانون لا يلغي الواقع السياسي القائم، ولن يلغي ويشطب صراعا وقضية بحجم القضية الفلسطينية، ولن يلغي ويشطب الشعب الفلسطيني الذي أصبح حقيقة قانونية وسياسية وقبل ذلك حقيقة تاريخية. إسرائيل تدرك وتعرف ان من يمنح الشرعية لهذا القانون هم الفلسطينيون، ولذلك قد تضعه شرطا لأي تفاوض.

ولعل الذي يغيب عن الإدراك والتصور السياسي ان هذا القانون وفي حال وضع نهاية للمفاوضات وخيار السلام والتعايش فكيف يمكن لهذا القانون ان يحقق الهدف والغرض منه في حالة الحرب والمواجهات العسكرية وفي ظل القتل والعنف والكراهية؟

الحرب نقيض لهذا القانون وكفيلة بإجهاضه، وهذه مسؤولية النخب الحاكمة في إسرائيل، ناهيك عن ان هذا القانون اضر بإسرائيل اكثر من الفلسطينيين، ففي حسابات الخسارة الفلسطينيون لم يكسبوا شيئا كثيرا حتى الآن ليخسروه، ولن يتضرروا كثيرا طالما انهم مستمرون في نضالهم السياسي، فكم من قوانين وقرارات أصدرتها الدول الإستعمارية في مستعمراتها وفي النهاية ألغتها ورحلت؟

أما الخاسر الأكبر فهي إسرائيل داخليا وإقليميا ودوليا أولا القانون أجهض صورة الديموقراطية والأخلاقية التي قدمت إسرائيل عبرها نفسها للعالم، ودائما كانت تتحجج بأن العرب واحة للتخلف، والسلام لا يقوم إلا بين الدول والشعوب الديموقراطية.

وعربيا كيف للدول العربية ان تقبل بأي سلام إقليمي وقبول إسرائيل بهذه الصفة الكاملة التي تلغي الوجود الفلسطيني ؟

وحتى داخليا سيثير القانون الكثير من المشاكل والملفات التي لم تحل حتى الآن في إسرائيل بعد اكثر من سبعين عاما كمشاكل التكامل والإندماج وهما مشكلتان ترتبطتان بالأمن والبقاء والإستقرار.

يبقى ان على الفلسطينيين وفي سياق رؤية شاملة وكمسؤولية عربية ودولية ان يلقوا بالمسؤولية لتداعيات القانون على من يريد السلام. والمقارنة بين خياري السلام والحرب. فمن يريد السلام والمفاوضات حقا عليه ان ينظر للفلسطينيين كما ينظر لإسرائيل، إسرائيل الآن دولة وشعب والفلسطينيون يريدون الإعتراف بهم دولة وشعباً وهذه هي المعادلة الجديدة للتفاوض.

الصراع في حاجة لقوانين للتعايش السلمي والتسامح ونبذ الكراهية والتعصب والحقد، لا لقوانين تعيد الصراع الى الصراع الديني، وتعمق الكراهية والتعصب.

لا بديل لهذا الصراع إلا البحث عن صيغ مشتركة للتعايش الذي تفرضه وحدانية الأرض التي لا تقبل الإنقسام والتجزئة.

drnagishurrab@gmail.com