السياق السياسي والفكري لصفقة القرن!!

بقلم: الدكتور ناجي صادق شراب

استاذ علوم سياسية - غزة

النزاعات الدولية والأفكار والبرامج والحلول السياسية لا تأتي من فراغ، بل تحكمها البنية الفكرية والسياسية التي تحكم من يقف ورائها، ففي هذا السياق تفهم المبادرات والحلول التي تطرح. وصفقة القرن التي تتبناها إدارة الرئيس ترامب تقف ورائها بنية فكرية وايديولوجية، وبنية سياسية تتعلق ببنية النظام السياسي وصنع القرار الأمريكي. وهذه المبادرة والأفكار التي تتضمنها تعكس في مجملها البنية الفكرية والسياسية السائدة في الولايات المتحدة، السياق الأمني والمصالح العليا للإستراتيجية الأمريكية، ولكيفية فهم صانعي هذه المبادرة وعلى رأسهم الرئيس ترامب، وفريق عمله نائبه بينس، وصهره كوشنر وممثلة الشخصي غرينبلات وسفيره في إسرائيل فريدمان.

هؤلاء الخمسة كيف يفكرون؟ ما هي العقيدة التي يؤمنون بها؟ كيف ينظرون للإسرائيليين ، وكيف ينظرون للفلسطينيين؟ في هذا السياق يمكن أن تفهم هذه الصفقة. ويمكن التنبؤ إلى أين تسير.

ولا يمكن فهم هذه الصفقة التي يتم التسويق لها سياسياً وأيديولوجياً وأمنياً إلا في سياق المحددات التي تحكم العلاقات الامريكية والإسرائيلية من ناحية ، ومن ناحية المنطلق الرئيس لها المحددات السياسية والفكرية التي تحكم صانع القرار السياسي الأمريكي ، والتي تتحكم في صياغة الرأي العام الأمريكي.

وفي يقيني ان الفرضية الأساسية التي تنطلق منه هذه الصفقة رغبة الرئيس ترامب في الفوز بالإنتخابات الرئاسية ثانية، هذا الهدف تتحكم فيه الأصوات التي تحسم هذه الرئاسة، واللوبيات الضاغطة التي تتحكم في آليات صنع القرار, وكما هو معلوم في أدبيات السياسة الأمريكية أن النظام السياسي الأمريكي نظام مفتوح أي تلعب فيه المؤثرات الداخلية دوراً حاسماً، والناخب الأمريكي اليوم تحكمه الإعتبارات والقضايا الداخلي، وبروز ما يعرف اليوم بالشعبوية والإنعزالية الأمريكية، ويلعب الدين دوراً هاماً في تحديد صوت الناخب الأمريكي ، وفي هذا السياق إسرائيل قضية داخلية في الانتخابات الأميركية من خلال اللوبي الصهيوني المتحكم في المال والصوت ، ومن خلال القوة التصويتية الكبيرة التي تمثلها الأصولية المسيحية أكثر من خمسين مليونا. والسياق او الإطار الأول الذي يتحكم في بلورة وصياغة الصفقة الأصولية المسيحية التي ينتمي ويؤمن بها الخمسة الذين يصوغون المبادرة، هم يستمعون لما يقوله الآخرون ويترجمون ذلك حسبما يعتقدون.

أنصار هذا التيار يزيد عددهم عن خمسين مليونا، يؤمنون بأن عودة المسيح المنتظرة الثانية وتأسيسه لمملكة الألف الثانية مرتبطة بعودة اليهود لفلسطين، ويدعمون بقاء إسرائيل والحفاظ على أمنها، ولا يؤمنون بقيام الدولة الفلسطينية، ونظرتهم للفلسطينيين ليس كشعب بقدر ما هي كتلة بشريه لها بعض الحقوق وأن مسؤولية فشل المفاوضات تقع على الفلسطينيين والقادة العرب.

ولتحقيق السلام من منظورهم لا بد من تحقيق نصر حاسم على الفلسطينيين والعرب.

هذه الأفكار والمعتقدات تندرج أولا في عدم الإعلان الصريح بقبول حل الدولتين ,بعدم عودة اللاجئين حفاظا على يهودية الدولة ، ويحملون الفلسطينيين أيضا المسؤولية لعدم إعترافهم بيهودية إسرائيل وبحق الشعب اليهودي في فلسطين. هذه المعتقدات ستترجم وتضمنها صفقة القرن بصيغ وأفكار سياسية.

ومع كل إدارة أمريكية جديدة يسعى أصحاب هذا التيار لفرض رؤاهم على كل رئيس يأتي للبيت البيض، وقد رأينا ذلك في بوش الأبن مثلا، ويحاول ترجمة هذه المعتقدات في كل مبادرة تقدمها الإدارة الجديدة، بل إن إحتكار الولايات المتحدة لعملية السلام والمفاوضات يأتي في هذا السياق الأيدولوجي الديني.

ما يميز صفقة القرن الآن انها جاءت في ظل بيئة سياسية أمريكية قوية وداعمة لكل أفكارها ، وفي ظل بيئة إقليمية مهيئة وقابلة للتسوية، وبيئة سياسية إسرائيلية متقابلة معها تماما. أما السياق الاخر الذي من خلاله يتم بلورة هذه الصفقة السياق السياسي من ناحية العلاقات الإستراتيجية التحالفية التي تحكم علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل، ومن ناحية تركيبة وبنية النظام أو السلطة السياسية في كل منهما.اليوم الذي يحكم الولايات المتحدة سياسيون يؤمنون بالفكر الديني المسيحي الأصولي وعلى رأسهم نائب الرئيس الأميركي مايك بينس، ويهيمن على الولايات المتحدة ثالوث السياسة :العسكري الصناعي والمسيحية الأصولية واللوبي الصهيوني.

وبالمقابل في إسرائيل حكومة يمينية متشددة تشارك فيها بقوة الأحزاب الدينية مثل "شاس" و"يهدوت هتوراه "و"اسرائيل بيتينا"، و"كولانو" و"البيت اليهودي".

. تطابق بين الحكومتين والسلطتين، وهذا التطابق يعبر عن نفسه في العديد من القضايا وفي آليات التسوية من الدولة الفلسطينية واللاجئين والمستوطنات. وحتى القضايا الإقليمية كما في سوريا والنووي الإيراني وفي الموقف من المنظمات الدولية التي تساند الشرعية الدولية كالإنسحاب من اليونسكو ومجلس حقوق الإنسان والتهديد بوقف المساعدات عن الاونروا، وحتى الدول التي تؤيد الدولة الفلسطينية وأخيرا في صدور قانون من الكونغرس يمنع سياسة مقاطعة إسرائيل وأي منتجات إسرائيلية ، ويعتبرون ذلك إنتهاكا للدستور الأميركي. والتوافق على الحل الإنساني لغزة على إعتبار انها الكينونة السياسية الفلسطينية المستقلة، وعدم القبول بقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية.وتجريد المقاومة الفلسطينية من سلاحها في غزة مقابل هذا البرنامج الإنساني ورفع الحصار. والعمل على تفريغ الضفة الغربية من سكانها وخصوصا في المنطقة ج، بالهجرة القسرية ، وبتشجيع الهجرة من الريف للمدن.

ولتحقيق أهدافها تقوم إسرائيل وبدعم أميركي بممارسة الحرب والحصار على غزه، واليوم تلوح الصفقة او تقوم على ركن أساسي ما يعرف بالسلام الإقتصادي. هذا الإطار السياسي والأيديولوجي تكملة المصالح الإستراتيجية العليا للولايات المتحدة في المنطقة وتقليص لدور الدول الإقليمية الصاعدة كإيران وتركيا، بتمرير هذه الصفقة ، والعمل على خلق منظومة أمنية إقليمية، وهذا أحد أهم نقاط الصفقة. في هذه السياقات تفهم الصفقة ، ويفهم إلى إين تسير؟ إحتمالات النجاح والفشل؟

drnagishurrab@gmail.com